فصل: تفسير الآيات رقم (88- 89)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


الجزء الثامن

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 89‏]‏

‏{‏قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ‏(‏88‏)‏ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ‏(‏89‏)‏‏}‏

ولما انتهى كلامه عليه السلام على هذا الوجه البديع، أخبر سبحانه بما أفهم أن قومه لم يجدوا جواباً عنه أصلاً لأنهم انتقلوا إلى الدفاع بالفعل، وهو أمارة الانقطاع، فقال مستأنفاً‏:‏ ‏{‏قال الملأ‏}‏ أي الأشراف ‏{‏الذين استكبروا‏}‏ أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له بغاية الرغبة، وخصهم ليحصل تمام التسلية بقوله‏:‏ ‏{‏من قومه لنخرجنك‏}‏ وبين غلظتهم وحفاءهم بقولهم‏:‏ ‏{‏يا شعيب‏}‏ من غير استعطاف ولا إجلال ‏{‏والذين آمنوا‏}‏ ويجوز أن يتعلق قوله‏:‏ ‏{‏معك‏}‏ ب «آمنوا» وب «نخرج» ‏{‏من قريتنا‏}‏ أي من المكان الجامع لنا لمفارقتكم إيانا ‏{‏أو لتعودن‏}‏ أي إلا أن تعودوا، أي ليكونن آخر الأمرين‏:‏ إما الإخراج وإما العود ‏{‏في ملتنا‏}‏ أي بالسكوت عنا كما كنتم، ولم يريدوا منه العود إلى الكفر لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظاً قبل النبوة كإخوانه من الأنبياء عليهم السلام، بل كانوا يعدون سكوته عليه السلام- قبل إرساله إليهم من دعائهم وسب آلهتهم وعيب دينهم- كوناً في ملتهم، ومرادهم الآن رجوعه عليه السلام إلى تلك الحالة والقناعة ممن اتبعه بذلك، فيكون مرادهم بالعود حقيقة في الجميع‏.‏

ولما كان من الإخراج والرد مستعظماً، أخبر تعالى أنه أنكره بقوله‏:‏ ‏{‏قال أولو‏}‏ أي أتخرجوننا أو تعيدوننا لو كنا راضين للإخراج والعود ولو ‏{‏كنا كارهين*‏}‏‏.‏

ولما كان العرب أبعد الناس من مطلق الكذب وأشدهم له تحامياً ومنه نفرة فكيف بالكذب على الأكابر فكيف به على الملوك فيكف به على ملك الملوك‏!‏ علق الكذب على الله تعالى بالعود إلى ملتهم بقوله مستأنفاً الإخبار لمن تشوف إلى علم ما كان منه بعد هذا الكلام اللين وتوقع غيره‏:‏ ‏{‏قد افترينا‏}‏ أي تعمدنا الآن بما نقوله لكم، أي من أن الله حرم الكفر والإقرار عليه ‏{‏على الله‏}‏ أي الذي له جميع العظمة ‏{‏كذباً‏}‏ ويجوز أن يكون تنوينه للتعظيم، ويجوز أن يكون للتحقير، ولكل وجه يدعو إليه المقام لا يخفى ‏{‏إن عدنا‏}‏ أي ساعة من الدهر ‏{‏في ملتكم‏}‏ أي بسكوتنا أو بسكوتي وكفر من كان ممن تبعني كافراً ‏{‏بعد إذ نجانا الله‏}‏ أي الملك الأعلى خارقاً للعادة بما كنا جديرين بالانغماس فيه متابعة للآباء والأجداد والعشيرة بما له من القدرة والعظمة ‏{‏منها‏}‏ أي إن فعلنا ذلك فقد ارتكبنا أقبح القبائح على بصيرة منا بذلك، فهو تعليق على محال عادة، وهو من وادي قول الأشتر النخعي‏:‏

بقّيت وفري وانحرفت عن العلى *** ولقيت أضيافي بوجه عبوس

إن لم أشنَّ على ابن هند غارة *** لم تخل يوماً من نهاب نفوس

غير أن المعلق في البيت تقديري، وفي الآية تحقيقي، لأنهم أخبروهم أن الله تعالى نهى عن الكفر وأمرهم بإنذار كل كافر، فمتى تركوا ذلك لزمهم الكذب حتماً ‏{‏وما يكون لنا‏}‏ أي ما يصح وما يتفق ‏{‏أن نعود فيها‏}‏ أي ملكتم‏.‏

ولما كان الله سبحانه أن يفعل ما يشاء لا واجب عليه ولا قبيح منه، أشار إلى ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إلا أن يشاء الله‏}‏ فذكر اسم الذات إشارة إلى أن له جميع الحمد لذاته؛ ثم ذكر صفه الإحسان عياذاً من أن يراد بهم الهوان فقال‏:‏ ‏{‏ربنا‏}‏ أي خرق العادة فله ذلك، فهو من باب التذكر للمخاوف والإشراف على إمكان سوء العواقب للصدق في التضرع إلى الله تعالى والالتجاء إليه والاستعاذة من مكره، ولذلك أتى باسم الجلالة الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى وصفة الربوبية الملتمس بذكرها فعل ما يفعل لمربي الشفيق، فكأنه قال‏:‏ إن عودنا في ملتكم غير ممكن عادة، والمحال عادة لا يقدر عليه إلا بقدر من الله، بل ولا توجه الهمم إليه، والله تعالى أكرام من أن يعود فيما وهبه لنا من هذا الأمر الجليل، وينزع عنا هذا اللباس الجميل، وهو صريح في أن الكفر يكون بمشيئة الله، بل ولا يكون إلا بمشيئته، وقوله‏:‏ ‏{‏وسع ربنا‏}‏ أي المحسن إلينا ‏{‏كل شيء علماً‏}‏ زيادة في حث أمته على الالتجاء والتبري من الحول والقوة، أي لا علم لنا بخواتم العمال والعلم لله فهو التام العلم الكامل القدرة، فهذه الجملة كالتعليل للتعليق بالمشيئة قطعاً- لما عساه أن يحدث من طمع المخاطبين في عودهم، كأنه قيل‏:‏ وإنما علقنا العود بالمشيئة لنقص علومنا، فربما كان في سعة علمه قسم ثالث، وهو أن نكون في القرية على ديننا وتكونون أنتم أو لا، أو توافقوننا على ما نحن عليه، وهكذا ينبغي للمربوب، ولا ينبغي الجزم بأمر يستقبل إلا الله ربنا لإحاطة علمه، والآية تدل على انه كان في الأزل عالماً بكل شيء من الكليات والجزئيات لأن «وسع» ماض، وقد تقدم في الأنعام أن قول الخليل عليه السلام وهذا وآية الكهف من مخبر واحد- والله أعلم‏.‏

ولما كان المراد من هذا ما ذكر، كان مزعجاً للقلوب مقلقاً للنفوس مزعزعاً للخواطر مزلزلاً للأفكار بتأمل هذه الأخطار المشفية على غاية الخسار، فكأن المؤمنين قالوا‏:‏ ما العمل وأين المفر‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏على الله‏}‏ أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وحده لا على غيره ‏{‏توكلنا‏}‏ أي فوضنا جميع أمورنا إليه، وهو أكرم من أن يختار لنا غير الأرشد وقد تبرأنا من حولنا وقوتنا واعتصمنا بحوله وقوته، وجعلنا جميع أمورنا كلها محمولة على قدرته كما يحمل الوكيل أمر موكله عنه ويريحه من همه وقلقه منه‏.‏

ولما جرت العادة بأن الموكل يخبر الوكيل بما يريد ليفعله، أتبع ذلك الدعاء بالحكم بما يقتضيه ظاهر الحال من نصر المحقّ وخذل المبطل فقال‏:‏ ‏{‏ربنا‏}‏ أي أيها المحسن إلينا ‏{‏افتح‏}‏ أي احكم ‏{‏بيننا‏}‏ ولما كان يريد استعطافهم لإسعادهم قال‏:‏ ‏{‏وبين قومنا‏}‏ وفيه إشارة إلى ميله إلى الدعاء بهدايتهم، وأدب بعدم التصريح بما لم يؤذن له فيه ‏{‏بالحق‏}‏ أي بالأمر الفيصل من معاملة كل من المحقّ والمبطل بما يستحقه شرعاً وعرفاً بحيث يكون لكل فريق باب يصل به إلى غاية أمره وهذا مقام الإنصاف، فقد علم من إشارة قوله العناية بقومه، ومن عبارته الإنصاف من نفسه، ولو أراد ترجيح نفسه ومتبعيه لدعا لهم أن يعاملوا بالفضل وأن يعامل ضدهم بالعدل، والآية معلمة بأن له تعالى أن يفعل ما يريد من خذلان الظالم ونصر المظلوم وتعذيب العاصي وإثابة الطائع وعكس ذلك،

‏{‏لا يسئل عما يفعل‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 23‏]‏ لأنه التام المِلك العظيم المُلك الشامل القدرة الحكيم الخبير، ويجوز أن يكون المراد‏:‏ لا نعود إلى ما كنا عليه من السكوت عن دعائكم إلى الله ونهيكم عن أفعال الضلال لأنا أمرنا بإنذاركم إلا أن يشاء الله سكوتنا بامر يحدثه إلينا في ذلك لمصلحة اقتضاها علمه وقصرت عنها علومنا، فإذا أراد ذلك وأمرنا به فعلنا، فله الخلق والأمر‏.‏

ولما اشار الدعاء لقومه، أشار- بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر- إلى أن التقدير‏:‏ فأنت خير الراحمين‏:‏ ‏{‏وأنت خير الفاتحين*‏}‏ أي على من سدت عليه الأبواب ولم يجد مخلصاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 96‏]‏

‏{‏وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏90‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏91‏)‏ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ‏(‏92‏)‏ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ‏(‏93‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ‏(‏94‏)‏ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏95‏)‏ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

ولما انقضى جواب الفصل المبني على إبطال الفضل وإظهار العدل، ذكر سبحانه قولهم بعده عاطفاً له على ما مضى من قولهم أو قوله، كان الأصل أن يقال‏:‏ وقالوا، ولكنه أظهر الوصف بالشرف إشارة إلى أنه الذي حملهم على نتيجة الاستكبار وهي الكفر، ثم لم يرضوا به حتى أضافوا إليه تكفير غيرهم فقال‏:‏ ‏{‏وقال الملأ‏}‏ أي الأكابر ‏{‏الذين‏}‏ يملؤون العيون مرأى والقلوب مهابة، فحلمهم التكبر على أنهم ‏{‏كفروا‏}‏‏.‏

ولما كان من المستبعد أن يكون أقاربه يتنكبون عما أتاهم به من الخير لحسد أو اتهام أو غيرها، فكان ربما ظن أن هؤلاء الذين يعاملونه بهذه الغلطة أجانب عنه، قال‏:‏ ‏{‏من قومه‏}‏ بياناً لأن الفضل بيد الله فقد يؤتيه البغيض البعيد ويمنعه الحبيب القريب ‏{‏إنك لا تهدي من أحببت‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏، ووطؤوا للقسم بقولهم‏:‏ ‏{‏لئن اتبعتم‏}‏ أي أيها الأتباع ممن لم يؤمن بعد ‏{‏شعيباً‏}‏ أو تركتم ما أنتم عليه مما أورثه لكم آباؤكم؛ واجاب القسم بما سد عن جواب الشرط بقوله‏:‏ ‏{‏إنكم إذاً‏}‏ أي وقت اتباعه ‏{‏لخاسرون*‏}‏ أي لأنكم استبدلتم بدين الآباء غيره وحرمتم فوائد البخس والتطفيف وقط السبل‏.‏

ولما كمل إثمهم بالضلال والإضلال، استحقوا الأخذ فقال‏:‏ ‏{‏فأخذتهم‏}‏ أي فتسبب عن أقوالهم هذه وأفعالهم أنه أخذتهم ‏{‏الرجفة‏}‏ أي الزلزلة العظيمة في القلوب أو الديار التي كانت سبباً للصيحة أو مسببة عنها ‏{‏فأصبحوا في دارهم‏}‏ أي مساكنهم، وتقدم سر توحيدها ‏{‏جاثمين*‏}‏ أي باركين على الركب أو لازمين أمكنتهم لا حراك بهم، وهذا دون ما كان النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت الملائكة بحنين، فكان الكفار يسمعون في أجوافهم مثل وقع الحصاة في الطست، ودون ما كان يجد مخالفه من الرعب من مسيرة شهر من ورائه وشهر من أمامه، ولكونه كان نبي الرحمة ما اقتضى ذلك الهلاك بل النجاة‏.‏

ولما أخبر سبحانه بهلاكهم وما سببه من أقوالهم وأفعالهم، وكان للتخليص من العظمة في القلوب بتصوير المخلص للأذهان ما لا يخفى، لخص ذلك ذاكراً لأنه حل بهم بالخصوص- ما نسبوا إلى المؤمنين من الخسارة فقال‏:‏ ‏{‏الذين كذبوا شعيباً‏}‏ أي نسبوه إلى الكذب فيما قاله عنا وأيدناه فيه بالبينات ‏{‏كأن‏}‏ أي هم المخصصون بالهلاك حتى كأنهم ‏{‏لم يغنوا‏}‏ أي ينزلوا ويقيموا، وبطل مقامهم لاهين بالأفراح والغناء والاستغناء من المغاني وهي المنازل والاستغناء ‏{‏فيها‏}‏ أي الدار بسبب تكذيبهم‏.‏

ولما كان تكذيب الصادقين لا سيما الرسل في غاية الشناعة، كرره إشارة إلى ذلك وإعلاماً بأنه سبب لهم أعظم من هلاك الأشباح ضد ما سبب التصديق للمؤمنين فقال‏:‏ ‏{‏الذين كذبوا شعيباً‏}‏ أي تكذيبه سبباً لهلاكهم ‏{‏كانوا‏}‏ أي بسبب التكذيب أيضاً ‏{‏هم‏}‏ أي خاصة ‏{‏الخاسرين*‏}‏ أي خسروا أرواحهم كما خسروا أشباحهم فهم لما سوى ذلك أخسر، وأما الذين اتبعوه فما نالهم شيء من الخسار، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لآرائهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم‏.‏

ولما صارت تلك الدار محل الغضب، سبب ذلك أن هاجر عنها كما كانت عادة من قبله من الأنبياء عليهم السلام، فقال‏:‏ ‏{‏فتولىعنهم‏}‏ بعد نزول العذاب وقبله عند رؤية مخايله ذاهباً إلى مكان غيره، يعبد ربه فيه ‏{‏وقال‏}‏ متأسفاً على ما فاته من هدايتهم ‏{‏يا قوم‏}‏ أي يا عشيرتي وأقرب الناس إليّ ‏{‏لقد أبلغتكم‏}‏ ولعله جمع لأجل كثرة ما أتاهم به من المعجزات فقال‏:‏ ‏{‏رسالات ربي‏}‏ أي المحسن إليّ بإنجائي ومن تبعني من عذابكم لتوفيقه لنا إلى ما يرضيه ‏{‏ونصحت‏}‏ أي وأوقعت النصح ‏{‏لكم‏}‏ أي خاصة‏.‏

ولما كان هذا مفهماً لما طبع البشر من الأسف أهله وعشيرته، سبب عنه منكراً على نفسه قوله‏:‏ ‏{‏فكيف آسى‏}‏ أي أحزن حزناً شديداً ‏{‏على قوم كافرين*‏}‏ أي عريقين في الكفر، فعرف أنه أسف عليهم من أجل قربهم وفوات الإيمان لهم غير آسف عليهم من أجل كفرهم، وتخصيص تكرير هذه القصص الخمس على هذا الترتيب في كثير من سور القرآن- دون قصة إبراهيم عليه السلام وهو أعظمهم- لانتظامهم في أنهم أقرت أعينهم بأن رأوا مصارع من خالفهم، وأما إبراهيم عليه السلام فإنه وقع النص في قوله ‏{‏إني ذاهب إلى ربي سيهدين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 99‏]‏ بأنه خرج من بين قومه قبل عذابهم ولم يسلك به سبيلهم في إقرار عينه بإهلاك من كذبه بحضرته، وهو أفضلهم لأن الكائن في قصته أعظم في الأفضلية، وهو طبق ما اتفق لولده أفضل البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وانظر إلى قوله تعالى ‏{‏وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 33‏]‏ تعرف ما في هذا المقام من الإكرام، وأن الأمر كما قيل‏:‏ لعين تجازى ألف عين وتكرم‏.‏

ولما قدم سبحانه إجمال الإنذار بما اشتركت فيه الأمم من الإهلاك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكم من قرية أهلكناها‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 4‏]‏ الآية، ثم أتبعه- بعد تقديم ما يحتاج إليه على النظم الذي سبق التنبيه عليه- تفصيل ما انفردت به كل أمه من العذاب الحاث على سبيل الصواب، أتبع ذلك إجمالاً آخر أبسط من الأول على نمط غريب دال على عادته المستمرة وسنته المستقرة في شرح حال هؤلاء الأمم الذين ذكرهم وغيرهم، لئلا يظن أن غيرهم كان حاله غير حالهم، فبين أن الكل على نهج واحد وأن السبب في استئصالهم واحد، وهو التكذيب والاستكبار على الحق، ليكون الإجمال كالضوابط والقواعد الكلية لتنطبق على الجزيئات‏.‏ وذلك الاستبصار بما يكون من نافع أو ضار وعدم الاغترار بأحوال المستدرجين الأشرار متكفل بالتسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم والتأسية، متقدم على قصة موسى وهارون عليهما السلام لطولها وتعجيلاً بما في ذلك من مصارع الإنذار بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي أرسلنا فلاناً فكان كذا وفلاناً فكان كذا، وما ‏{‏أرسلنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏في قرية‏}‏ أي من قرى أولئك وغيرهم ‏{‏من نبيٍّ‏}‏ أي من الأنبياء الذين تقدموك ‏{‏إلا‏}‏ كان ما نخبر به من ترهيبهم من سطواتنا وهو أنا ‏{‏أخذنا‏}‏ أي بعظمتنا ‏{‏أهلها‏}‏ أي أخذ قهر وسطوة، أي لأجل استكبارهم عن الحق ‏{‏بالبأساء‏}‏ أي قهر الرجال ‏{‏والضراء‏}‏ أي المرض والفقر ‏{‏لعلهم يضرعون*‏}‏ أي ليكون حالهم عند المساءة حال من يرجى تضرعه وتذلله وتخضعه لمن لا يكشف ذلك عنه غيره ولو كان التضرع في أدنى المراتب- على ما أشار إليه الإدغام، لأن ذلك كاف في الإنقاذ من عذاب الإنذار الذي هذه سورته بخلاف ما مضى في الأنعام‏.‏

ولما لم يتضرعوا صادقين من قلوبهم معترفين بالحق لأهله كما يحق له، استدراجهم بإدرار النعم، فقال مشيراً إلى طول مدة الابتلاء واستبعادهم لكشف ذلك البلاء‏:‏ ‏{‏ثم بدلنا‏}‏ ومظهر العظمة يؤيد الاحتمال الثاني ‏{‏مكان‏}‏ أي جعلنا ‏{‏السيئة‏}‏ أي النقمة ‏{‏الحسنة‏}‏ أي النعمة، وبين أنه مد النعمة بقوله‏:‏ ‏{‏حتى عفوا‏}‏ أي بدل كثروا وكثرت نعمهم فلم يشكروا ‏{‏وقالوا‏}‏ مسندين الأمر إلى غير أهله ‏{‏قد مس آباءنا الضراء‏}‏ أي الشدة ‏{‏والسراء‏}‏ أي الرخاء والنعمة، معتقدين أن هذه عادة الدهر لا فعل الفاعل المختار‏.‏

ولما لم يعتبروا ويعلموا أن ذلك ممن يحب أن لا يعدل عن بابه ولا يغفل عن جنابه، وظنوا أن ذلك دأب الدهر وفعل الزمان، واستمروا على فسادهم في حال الشدة والرخاء، سبب عنه قوله‏:‏ ‏{‏فأخذناهم‏}‏ أي بعظمتنا أشد الأخذ وأفظعه في الظاهر والباطن ‏{‏بغتة‏}‏ أي فجأة حتى لا ينفعهم التوبة، وأكد معنى البغت تحقيقاً لأمره بقوله‏:‏ ‏{‏وهم لا يشعرون*‏}‏ فحق من سمع هذا أن يبادر إلى الرجوع عن كل مخالفة فيها خوفاً من الأخذ بغتة‏.‏

ولما بين تعالى ما كان قولهم مسبباً له من الأخذ بغتة، بين ما كان يكون ضد قولهم مسبباً له من البركات لو وقع بقوله‏:‏ ‏{‏ولو أن أهل القرى‏}‏ أي هذه التي قصصنا أخبارها ‏{‏آمنوا‏}‏ أي بما أتاهم به رسلهم ‏{‏واتقوا‏}‏ أي خافوا أمر الله وجعلوا بينهم وبين سخطه وقاية من طاعاته فاستمروا على إيمانهم ‏{‏لفتحنا عليهم بركات‏}‏ أي خيرات ثابته لا يقدر أحد على إزالتها ‏{‏من السماء‏}‏ أي بالمطر الذي يكون كأفواه القرب وما شابهه ‏{‏والأرض‏}‏ بالنبت الغليظ وما قاربه، وقراءة ابن عامر بالتشديد يدل على كثرة تلك البركات، وأصل البركة الموظبة على الخير‏.‏

ولما كان الكلام بما أفهمته ‏{‏لو‏}‏ في قوة أنهم يؤمنوا عبر بقوله‏:‏ ‏{‏ولكن كذبوا‏}‏ أي كان التكذيب ديدنهم وشأنهم، فلذلك لم يصدقوا رسلنا في شيء، ولما كان التكذيب موضع الجلافة والجمود الذي هو سبب لعدم النظر في الدليل، سبب عنه العذاب فقال‏:‏ ‏{‏فأخذناهم‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏بما‏}‏ أي بسبب ما ‏{‏كانوا يكسبون*‏}‏ أي بجبلاتهم الخبيثة من الأعمال المناسبة لها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 100‏]‏

‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ‏(‏97‏)‏ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏98‏)‏ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏99‏)‏ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

ولما كانوا قد ضلوا ضلالاً بعيداً في غلطهم في جعلهم السراء والضراء سبباً للأمن من مكر الله، قال منكراً عليهم أمنهم عاطفاً له على ‏{‏كذبوا‏}‏ لأنه سبب الغلط وهو سبب الأمن فقال‏:‏ ‏{‏أفأمن أهل القرى‏}‏ أي كذبوا ناسين أفعالنا المرهبة بالمضارّ والمرغبة بالمسارّ فأمنوا ‏{‏أن يأتيهم بأسنا‏}‏ أي الناشئ عما لنا من العظمة التي لا ينساها إلا خاسر ‏{‏بياتاً‏}‏ أي ليلاً وهم قد أخذوا الراحة في بيوتهم، ولما كان النوم شيئاً واحداً يغمر الحواس فيقتضي الاستقرار، عبر بالاسم الدالّ على الثبات فقال‏:‏ ‏{‏وهم نائمون*‏}‏ أي على غاية الغفلة عنه‏.‏

ولما كان ربما قال جاهل‏:‏ لو جاءهم وهم إيقاظ لأمكن أن يدافعوا‏!‏ قال‏:‏ ‏{‏أو أمن أهل القرى‏}‏ أي مجتمعين أو منفردين فأنه لا فرق عندنا في ذلك ‏{‏أن يأتيهم بأسنا ضحى‏}‏ أي وقت راحتهم واجتماع قواهم ونشاطهم؛ ولما كانت اليقظة موجبة للحركة، عبر بالمضارع في قوله‏:‏ ‏{‏وهم يلعبون*‏}‏ أي يتجدد لعبهم شيئاً فشيئاً في ذلك الوقت، وفيه تقريع لهم بنسبتهم إلى أنهم صبيان العقول، لا التفات لهم إلى غير اللعب‏.‏

ولما كان ضلالهم- الذي نسبوا فيه الأمر إلى غير أهله- أشنع ضلال لتضمنه التعطيل وما يجر إليه من الأباطيل، كرر الإنكار عليهم على وجه أشد من الأول فقال مسبباً الإنكار عما أثبت هذا الكلام من العظمة التي لا يتمارى فيها ذو لب‏:‏ ‏{‏أفأمنوا مكر الله‏}‏ أي فعله الذي يشبه المكر بأخذ الإنسان من حيث لا يشعر بالاستدراج بما يريد من النعم والنقم؛ وسبب عن ذلك قوله‏:‏ ‏{‏فلا يأمن مكر الله‏}‏ أي الذي لا أعظم منه فلا يرد له أمر ‏{‏إلا القوم الخاسرون*‏}‏ أي الذين كانت قواهم سبباً لعراقتهم في الأفعال الضارة والخصال المهلكة‏.‏

ولما بان بما مضى حال الكفار مجملاً ومفصلاً، وكان المقصود من ذلك عبرة السامعين، وكان أخذهم بالبأساء والضراء مع إبقاء مهجهم وحفظ أرواحهم وأفهامهم بعد إهلاك من قبلهم في بعض ما لحقهم من ذلك وإيراثهم الأرض من بعدهم حالاً يكونون بها في حيز من يرجى منه الخوف المقتضي للتضرع والعلم قطعاً بأن الفاعل لذلك هو الله، وأنه لو شاء لأهلكهم بالذنوب أو غطى أفهامهم بحيث يصيرون كالبهائم لا يسمعون إلا دعاء ونداء، فسماعهم حيث لا فهم كلا سماع، فجعلوا ذلك سبباً للأمن؛ أنكر عليهم ذلك بقوله ‏{‏أفأمن‏}‏ إلى آخره؛ ثم أنكر عليهم عدم الاستدلال على القدرة فقال عاطفاً على ‏{‏أفأمن‏}‏‏:‏ ‏{‏أولم يهد‏}‏ أي يبين أخذنا الأمم الماضية بالبأساء والضراء ثم إهلاكهم إذا لم يتعظوا ‏{‏للذين يرثون الأرض‏}‏ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف وإشارة إلى بلادتهم لعدم البحث عن الأخبار ليعلموا منها ما يضر وما ينفع فلا يكونوا كالبهائم، فإنهم لو تأملوا أحوالهم وأحوال من ورثوا أرضهم وأحوال الأرض لكفاهم ذلك في الهداية إلى سواء السبيل‏.‏

ولما كان إرثهم غير مستغرق للزمان، أتى بالجارّ فقال‏:‏ ‏{‏من بعد أهلها‏}‏ ثم ذكر مفعول ‏{‏يهد‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏أن‏}‏ أي إنا ‏{‏لو نشاء‏}‏ أي في أيّ وقت أردنا ‏{‏أصبناهم بذنوبهم‏}‏ أي إصابة نمحقهم بها كما فعلنا بمن ورثوا أرضهم؛ ولما كان هذا تخويفاً للموجودين بعد المهلكين، ومنهم قريش وسائر العرب الذين يخاطبون بهذا القرآن، فكأن المخوف به لم يقع بعد، عطف على أصبنا قوله‏:‏ ‏{‏ونطبع على قلوبهم‏}‏ أي بإزالة عقولهم حتى يكونوا كالبهائم، ولذلك سبب عنه قوله‏:‏ ‏{‏فهم لا يسمعون*‏}‏ أي سماع فهم، وعبر عن الإصابة بالماضي إشارة إلى سرعة الإهلاك مع كونه شيئاً واحداً غير متجزئ، وعن الطبع بالمضارع إيماء إلى التجدد بحيث لا يمر زمن إلا كانوا فيه في طبع جديد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 103‏]‏

‏{‏تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ‏(‏101‏)‏ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ‏(‏102‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏103‏)‏‏}‏

ولما انقضى ذلك على هذا الوجه الأعظم والنظم الأبلغ الأحكم، وكانت هذه القرى بحيث تعرفها العرب ويرونها، أشار إليهم حثّاً على الاعتبار بهم، ولما كان أهلها جديرين بالبعد عنهم والهرب منهم، عبر عنهم بأداة البعد فقال‏:‏ ‏{‏تلك القرى‏}‏ أي محالّ القبائل الخمس، ويجوز أن يكون البعد لعظمة ما حصل لأهلها من العذاب، ويؤيده قوله مبيناً لحالها‏:‏ ‏{‏نقص عليك‏}‏‏.‏

ولما كان العاقل من يكفيه أدنى شيء، هوّل الأمر بأن أخبارها تفوت الحصر، وأن ما قص منها يكفي المعتبر، فقال‏:‏ ‏{‏من أنبائها‏}‏ أي أخبارها العظيمة الهائلة المطابقة للواقع شيئاً بعد شيء كما يفعل من يتتبع الأثر، وأنث الضمير لأن لرؤية القرى أنفسها مدخلاً في معرفة أخبار أهلها‏.‏

ولما كان المقام مقام العجب من التكذيب بعد ذلك البيان، كان ربما تخيل متخيل أنهم لم يؤتوا بالبيان الشافي، فشهد الله تعالى للرسل عليهم السلام تصديقاً لمن قال مهم‏:‏ قد جاءتكم بينة، بقوله‏:‏ ‏{‏ولقد‏}‏ أي والحال أنه قد ‏{‏جاءتهم‏}‏ أي أهل القرى لأنهم المقصودون بالذات ‏{‏رسلهم‏}‏ أي الذين أرسلناهم إليهم ‏{‏بالبينات فما‏}‏ أي فلم يتسبب عن ذلك بسبب طبعنا على قلوبهم إلا أنهم ما ‏{‏كانوا‏}‏ موفقين ‏{‏ليؤمنوا‏}‏ أي عند مجيئها، وقد أكد منافاة حالهم الإيمان باللام والكون أتم تأكيد ‏{‏بما‏}‏ أي بالذي ‏{‏كذبوا‏}‏ أي به، وحذفها أدل على الزجر من مطلق التكذيب وأوفق لمقصود السورة‏.‏

ولما كان تكذبيهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجارّ فقال‏:‏ ‏{‏من قبل‏}‏ أي قبل مجيء الرسل إليهم أو بتكذيبهم الواقع منهم للرسل فيما أتوا به عن الله من قبل الأخذ بغتة، أو من قبل مجيء الرسل بالآيات، فإنهم أول ما جاؤوهم فاجؤوهم بالتكذيب، فجوزوا على تكذيب الحق من غير نظر في دليل بالطبع على قلوبهم فأتوهم‏.‏ بالمعجزات فأصروا على ذلك التكذيب ووقفوا لذلك الطبع مع حظوظهم، ومنعتهم شماختهم وشدة شكائمهم عن الإيمان لئلا يقال‏:‏ إنهم خافوا أولا فيما وقع منهم من التكذيب فكانوا فيه على غير بصيرة، أو إنهم خافوا ثانياً ما قرعتهم به الرسل من الوعيد، فدخلوا جبناً فيما يعلمون بطلانه، فكان تزيين هذا لهم طبعاً على قلوبهم، فكأنه قيل‏:‏ إن هذا العجب هل يقع في مثل ذلك أحد‏؟‏ فقيل‏:‏ نعم، مثل ما طبعنا على قلوبهم حتى صارت مع الفهم لا تنتفع، فكأنها لا تفهم فكأنها لا تسمع ‏{‏كذلك يطبع الله‏}‏ أي الجامع لصفات الكبر ونعوت الجلال بما يجعل من الرين بما له من العظمة ‏{‏على قلوب الكافرين*‏}‏ أي كل من يغطي ما أعطاه الله من نور العقل بما تدعوه إليه نفسه من الهوى عريقاً في الاتصاف بذلك فيترك آيات الله‏.‏

ولما كان نقض العهد أفظع شيء ولا سيما عند العرب، قال عاطفاً على «فما كانوا»‏:‏ ‏{‏وما وجدنا‏}‏ أي في عالم الشهادة ‏{‏لأكثرهم‏}‏ أي الناس، وأكد الاستغراق فقال‏:‏ ‏{‏من عهد‏}‏ طبق ما كان عندنا في عالم الغيب، وهذا إما إشارة إلى الميثاق يوم ‏{‏ألست بربكم‏}‏ إن كان ذلك على حقيقته، أو إلى ما يفعلون حال الشدائد من الإقلاع عن المعاصي والمعاهدة على الشكر

‏{‏لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 22‏]‏ أو إلى إقامة الحجج بإفاضة العقول ونصب الأدلة، فصار بنصبها وإيضاحها للعقول كأنه أخذ العهد على من عقل أنه يبذل الجهد في التأمل ولا يتجاوز ما أبداه له صحيح النظر ‏{‏وإن‏}‏ أي وإنا ‏{‏وجدنا‏}‏ أي علمنا في عالم الشهادة ‏{‏أكثرهم لفاسقين*‏}‏ أي خارجين عن دائرة العهد مارقين مما أوقفهم عند الحد عريقين في ذلك طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب، وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم‏.‏

ولما انقضى بيان هذا الإجمال الخالع لقلوب الرجال، أتبعه الكشف عما كان بعد قصة شعيب عليه السلام من قصة صهره موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، وهي كالدليل على آيات الإجمال كما كانت القصص الماضية كالدليل على ما في أول السورة من الإجمال، فإن قصة فرعون مشتملة على الأخذ بالبأساء والضراء، ثم الإنعام بالرخاء والسراء، ثم الأخذ بغتة بسبب شدة الوقوف مع الضلال بعد الكشف الشافي والبيان لما على قلوبهم من الطبع وما قادت إليه الحظوظ من الفسق، وكأنه فصلها عن القصص الماضية تنويهاً بذكرها وتنبيهاً على عليّ قدرها، لأن معجزات صاحبها من معجزات من كان قبله، وجهل من عالجهم كان أعظم وأفحش من جهل تلك الأمم، ولذلك عطفها بأداة البعد مع قرب زمنها من التي قبلها إشارة إلى بعد رتبتها بما فيها من العجائب وما اشتملت عليه من الرغائب والغرائب، ولذلك مد لها الميدان وأطلق في سياقها للجواد العنان فقال‏:‏ ‏{‏ثم بعثنا‏}‏ أي على عظمتنا ‏{‏من بعدهم‏}‏ أي الرسل المذكورين والأمم المهلكين ‏{‏موسى بآياتنا‏}‏ أي التي يحق لها العظمة بإضافتها إلينا فثبت بها النبوة ‏{‏إلى فرعون‏}‏ هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم، وكان اسم فرعون موسى عليه السلام قابوس، وقيل‏:‏ الوليد بن مصعب ابن الريان ‏{‏وملئه‏}‏ أي عظماء قومه، وخصمهم لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم، فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال إلى الكل‏.‏

ولما سببت لهم الظلم الظلم قال‏:‏ ‏{‏فظلموا‏}‏ أي وقعوا في مثل الظلام حتى وضعوا الأشياء في غير مواضعها فوضعوا الإنكار موضع الإقرار ‏{‏بها‏}‏ أي بسبب رؤيتها خوفاً على رئاستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم؛ ولما كان ذلك من أعجب العجب، وهو أن سبب العدل يكون سبب الظلم، وكان هذا الظلم أعظم الفساد، سبب عنه قوله معجباً‏:‏ ‏{‏فانظر‏}‏ أي بعين البصيرة ‏{‏كيف كان عاقبة‏}‏ أي آخر أمر ‏{‏المفسدين*‏}‏ فلخص في هذه الآية على وجازتها جميع قصتهم على طولها، وقدم ذكر الآيات اهتماماً بها ولأنها الدليل على صحة دعوى البعث‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏104- 109‏]‏

‏{‏وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏104‏)‏ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏105‏)‏ قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏106‏)‏ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ‏(‏107‏)‏ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ‏(‏108‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏109‏)‏‏}‏

ولما كان التقدير عطفاً على ‏{‏فظلموا بها‏}‏‏:‏ ووضعها موسى مواضعها، عبر عنه بقوله‏:‏ ‏{‏وقال موسى يا فرعون‏}‏ خاطبه بما يعجبه امتثالاً لأمر الله تعالى له أن يلين في خطابه، وذلك لأن فرعون لقب مدح لمن ملك مصر‏.‏

ولما أتاهم عليه السلام وهم عارفون بأمانته وصدقه وعظم مكانته ومكارم أخلاقه وشريف عنصره وعظيم مخبره، وفرعون أعظمهم معرفة به لأنه ربي في حجره، كان هذا حالاً مقتضياً لأن يلقي إليهم الكلام غير مؤكد، لكن لما كان الإرسال من الله أمراً عظيماً جداً، وكان المقصود به تخلية سبيل بني إسرائيل، وكان فرعون ضنيناً بذلك، أكده بعض التأكيد فقال‏:‏ ‏{‏إني رسول‏}‏ ثم بين مرسله بقوله‏:‏ ‏{‏من رب العالمين*‏}‏ أي المحسن إليهم أجمعين- وأنتم منهم- بإيجادهم وتربيتهم، فهو تنبيه لمن سمعه على أن فرعون مربوب مقهور‏.‏

ولما خلفه مما يدعيه من الربوبية دالاً على تسويته ببقية العالمين‏:‏ ناطقهم وصامتهم، وكان لذلك بعيداً من الإذعان لهذا الكلام، أتبعه قوله على وجه التأكيد مستأنفاً بيان ما يلزم للرسول‏:‏ ‏{‏حقيق‏}‏ أي بالغ في الحقية، وهي الثبات الذي لا يمكن زواله ‏{‏على أن لا أقول على الله‏}‏ أي الذي له جميع الكمال، ولا عظمة لسواه ولا جلال ‏{‏إلا الحق‏}‏ أي الثابت الذي لا تمكن المماراة فيه اصلاً لما يصدقه من المعجزات، وحاصل العبارة ومآلها‏:‏ حق على قولي الذي أطلقه على الله أن لا يكون إلا الحق أي غير الحق، ولذلك عبر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات، وقراءة نافع بتشديد ياء الإضافة في ‏{‏على‏}‏ بمعنى هذا سواء، لأن من حق عليه شيء حق على كلامه‏.‏

ولما كان الحال إذ ذاك يقتضي توقع إقامة موسى عليه السلام البينة على صحة رسالته كان كأنه قيل‏:‏ ما دليل صدقك‏؟‏ فقال مفتتحاً بحرف التوقع والتحقيق‏:‏ ‏{‏قد جئتكم‏}‏ أي كلكم، لا أخص أحداً منكم ‏{‏ببينة‏}‏ دليلاً على رسالتي وقولي الحق ‏{‏من ربكم‏}‏ أي المحسن إليكم بكل نعمة ترونها لديكم من خلقكم وزرقكم وكف الأمم عن انتزاع هذا الملك منكم وإهلاككم، وتلك البينة هي المعجزة، فكرر البيان في هذا الكلام على أن فرعون ليس كما يدّعي لأنه مربوب، لا فرق بينة وبين بقية العالمين في ذلك‏.‏

ولما كان من المعلوم أن مثله في تمام عقله وشرف خلائقه لا يدّعي في تلك المجامع إلا حقاً مع ما نبه عليه من البيان على تفرد الله بالإلهية كما تفرد بالإحسان، كان كأنه أظهر البينة التي أقلها كفهم عن إهلاكهم‏.‏ فأتبع ذلك طلب النتيجة إعلاماً بغاية ما يريد منهم بقوله مسبباً عن مجرد هذا الإخبار الذي كان قد أوقع مضمونه‏:‏ ‏{‏فأرسل‏}‏ أي يا فرعون ‏{‏معي بني إسرائيل*‏}‏ أي فسبب إقامتي الدليل على صحة ما قلته أن أمُر بما جئت له- وهو إرسالهم معي- أمر من صار له سلطان بإقامة البينة لنذهب كلنا إلى بيت المقدس موطن آبائنا التي أقسم الله لهم أن يورثها أبناءهم، وفي جعل ذلك نتيجة الإرسال إليه تنبيه على أن رسالته مقصورة على قومه، فكأنه قيل‏:‏ فماذا قال فرعون في جواب هذا الأمر الواضح‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ معرضاً عنه معمياً له خوفاً من غائلته عند من يعرف موسى عليه السلام حق المعرفة معبراً بأداة الشك إيقافاً لهم‏:‏ ‏{‏إن كنت جئت بآية‏}‏ أي علامة على صحة رسالتك ‏{‏فأت بها‏}‏ فأوهم أنه لم يفهم إلا أن المراد أنه سيقيمها من غير أن يكون في كلامه السابق دلالة على صدقه، وأكد الإبهام والشك بقوله‏:‏ ‏{‏إن كنت‏}‏ أي جبلة وطبعاً ‏{‏من الصادقين*‏}‏ أي في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت‏.‏

ولما ساق هذا الطلب مساقاً دالاً على أنه شاك في أمره، أخبر تعالى أنه فاجأه بإظهار الآية دالاًّ على ذلك بالفاء المسببة المعقبة من غير مهلة فقال عن فعل موسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏فألقى عصاه‏}‏ وعن فعله هو سبحانه ‏{‏فإذا هي‏}‏ أي العصا ‏{‏ثعبان مبين*‏}‏ أي ظاهر في كبره وسرعة حركته بحيث إنه لشدة ظهوره كأنه ينادي الناس فيظهر لهم أمره، وهو موضح لصدق من تسبب عن فعله في جميع مقالته؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ثعباناً أشعر فاغراً فاه، بين لحييه ثمانون ذراعاً، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب من سريره هارباً وأحدث، وحمل على الناس فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، قتل بعضهم بعضاً، وصاح فرعون‏:‏ يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه فعاد عصاً‏.‏ ثم قال‏:‏ هل معك آية أخرى‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏{‏ونزع يده‏}‏ أي أخرجها من جيبه بعد أن أراه إياها محترقة أدماً كما كانت وهو عنده ‏{‏فإذا هي بيضاء‏}‏ ونبه على ثبات بياضها وزيادة إعجابه بقوله‏:‏ ‏{‏للناظرين*‏}‏ قال أبو حيان‏:‏ أي للنظارة، وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض العجب لهم إلا إذا كان بياضها خارجاً عن العادة، وقال ابن عباس‏:‏ صارت نوراً ساطعاً يضيء ما بين السماء والأرض، له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم، وما أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين‏:‏ أحدهما في نفسه وذلك اليد البيضاء، والآخر في غير نفسه وهى العصا التي يمسكها بيده، وجمع بذينك تبديل الذوات من الخشبية إلى الحيوانية، وتبديل الأعراض من السمرة إلى البياض الساطع، فكانا دالين على جواز الأمرين- انتهى‏.‏

ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان، اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من المقال في جوابه فقال‏:‏ ‏{‏قال الملأ‏}‏ أي الأكابر ‏{‏من قوم فرعون‏}‏ ما تلقفوه من فرعون واحداً بعد واحد، يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم ‏{‏إن هذا لساحر‏}‏ أي فهذا الذي رأيتموه أيها الناس من تخييله ما لا حقيقة له، فلا تبادروا إلى متابعته‏.‏

ولما كان ذلك خارجاً عما ألفوه السحرة قالوا‏:‏ ‏{‏عليم*‏}‏ أي بما هم فيه، بالغ في علمه إلى حد عظيم، فذلك جاء ما رأيتم منه فوق العادة، فكأن فرعون قال ذلك أبتداء- كما في سورة الشورى- فتلقفوه منه وبادروا إلى قوله، يقوله بعضكم لبعض إعلاماً بأنهم على غاية الطواعية له خوفاً على رئاستهم تحقيقاً لقوله تعالى ‏{‏فاستخف قومه فأطاعوه‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 54‏]‏ واختير هنا إسناده إليهم، لأن السياق للاستدلال على فسق الأكثر، وأما هناك فالسياق لأنه إن أراد سبحانه انزل آية خضعوا لها كما خضع فرعون عند رؤية ما رأى من موسى عليه السلام حتى رضي لنفسه بأن يخاطب عبيده- على ما يزعم- بما يقتضي أن يكون لهم عليه أمر، فلذا كان إسناد القول إليه أحسن، لأن النصرة في مقارعة الرأس أظهر، وخضوع عنقه أضخم وأكبر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏110- 117‏]‏

‏{‏يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ‏(‏110‏)‏ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ‏(‏111‏)‏ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ‏(‏112‏)‏ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ‏(‏113‏)‏ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ‏(‏114‏)‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ‏(‏115‏)‏ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ‏(‏116‏)‏ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ‏(‏117‏)‏‏}‏

ولما خيلوهم حتى أوقفوهم عما فهموا عنهم من المبادرة إلى المتابعة بادعاء أنه ساحر؛ نفروهم من ذلك وخوفوهم بأنه يريد أن يحكم فيهم قومه الذين كانوا عبيداً لهم ويزيحوهم من ديارهم التي هي لأشباحهم مثل أشباحهم لأرواحهم بقوله‏:‏ ‏{‏يريد أن يخرجكم‏}‏ أي أيها القبط ‏{‏من أرضكم‏}‏ أي هذه التي أثلها لكم آباؤكم وبها قوامكم؛ ولما كان السياق لبيان فسقهم، أسقط قولهم في الموضع الآخر ‏{‏بسحره‏}‏ إفهاماً لعجلتهم في إبرام الأمر في ضره إشارة إلى تغاليهم في الفسق بعلمهم أنه محق وليس بساحر‏.‏

ولما كان المقصود بهذا الكلام استعطاف المخاطبين، استعطفوهم بعد أن أوقفوهم، ثم خوفوهم بما سببوا عن الخطاب السابق من قولهم‏:‏ ‏{‏فماذا تأمرون*‏}‏ أي تقولون في هذه المشورة أيها السادة ليمتثل‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ فعلى أيّ شيء استقر رأيهم‏؟‏ فقيل‏:‏ على تاخير الأمر إلى حشر السحرة للمعارضة، أخبر تعالى، دلالة على أن أصل قول الملأ منه، أنهم أقبلوا عليه مخاطبين له ملفتين من أبلغهم عنه تعظيماً له مسندين الأمر إليه بقوله‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ أي الملأ لفرعون بعدما استقر في أذهانهم ما نصبوه إليه من الإرادة ‏{‏أرجه‏}‏ أي موسى عليه السلام ‏{‏وأخاه‏}‏ أي أخرهما تنفيساً لنا من هذا الخناق إلى وقت ما حتى ننظر في أمرهما ‏{‏وأرسل في المدائن‏}‏ أي من ملك مصر ‏{‏حاشرين*‏}‏ يحشرون لك السحرة ويجمعونهم من كل فج عميق، والحشر‏:‏ الجمع بكره ‏{‏يأتوك بكل‏}‏ ولما كانت دلالة السياق على رغب فرعون أقل مما في الشعراء لما اقتضاه الحال في كل منهما، قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ساحر عليم*‏}‏ أي بالغ العلم في السحر، وفي قراءة حمزه والكسائي ‏{‏سحار‏}‏ زيادة مبالغة أيضاً لما رأوا من قلق فرعون في الجملة، وهذا يدل على أن السحرة كانوا في ذلك الزمان عندهم في غاية الكثرة، ويدل على أن في طبع الناس المعارضة، فمهما أمكنت بطلت دعوى النبوة، وإذا تعذرت صحت الدعوى‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فأخر أمرهما وأرسل كما قالوا، فجمعوا من وجدوه منهم، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وجاء السحرة فرعون‏}‏ ولما تشوف السامع إلى خبرهم، قال مجيباً له استئنافاً‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ أي لفرعون عندما حضروا بين يديه متوثقين لنفع أنفسهم مفهمين له أنهم غالبون، لا مانع لهم من ذلك إلا عدم إنصافهم، سائقين للكلام في قراءة الجماعة مساق الاستفهام أدباً معه في طلب الإكرام‏:‏ ‏{‏إن لنا لأجراً‏}‏ وأكدوا طلباً لإخراج الوعد على حال التكذيب ‏{‏إن كنا نحن‏}‏ أي خاصة ‏{‏الغالبين*‏}‏ ومن أخبر أراد الاستفهام وهم نافع وابن كثير وحفص عن عاصم ‏{‏قال‏}‏ أي فرعون ‏{‏نعم‏}‏ أي لكم أجر مؤكد الخبر به، وزاد بيان التأكيد بما زادهم به رغبة في قوله‏:‏ ‏{‏وإنكم‏}‏ أي زيادة على ذلك ‏{‏لمن المقربين*‏}‏ أي عندي في الحضرة‏.‏

ولما فرغوا من محاورته، تشوف السامع إلى قولهم لموسى عليه السلام، فاستأنف قوله جواباً‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ بادئين باسمه ‏{‏يا موسى‏}‏ مخيرين له أدباً معه كما هي عادة عقلاء الأخصام قبل وقوع الخصام في سياق مفهم أن قصدهم الإلقاء أولاً، وذلك قولهم‏:‏ ‏{‏إما أن تلقي‏}‏ أي أنت أولاً ما تريد أن تلقيه للمغالبة في إظهار صحة دعواك ‏{‏وإما أن نكون نحن‏}‏ أي خاصة ‏{‏الملقين*‏}‏ أي لما معنا أولاً‏.‏

ولما فهم موسى عليه السلام مرادهم مما عبر هذا النظم عن حقيقة معناه من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر وإقحام الفصل، وكان واثقاً من الله تعالى بما وعده به جارياً مع مراده، لا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر؛ أجابهم إلى سؤالهم‏.‏ وهو أوقع في ازدراء شأنهم، فاستأنف سبحانه الخبر عنه بقوله‏:‏ ‏{‏قال ألقوا‏}‏ أي أنتم أيها السحرة ما تريدون إلقاءه، وهو أمر تعجيز‏.‏

ولما أذن لهم بادروا إلى ذلك كما أفهمه العطف بالفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فلما ألقوا‏}‏ أي ما أعدوه للسحر ‏{‏سحروا أعين الناس‏}‏ أي عن صحة إدراكها حتى خيلوا إليها ما لا على بعض، وبعثوا جماعة ينادون‏:‏ أيها الناس احذروا ‏{‏واسترهبوهم‏}‏ أي وأوجدوا رهبتهم إيجاد راغب فيها طالب لها غاية الطلب‏.‏

ولما قيل ذلك، كان ربما ظن أنهم خافوا مما لا يخاف من مثله، فقال تعالى مبيناً أنهم معذورون في خوفهم‏:‏ ‏{‏وجاءو بسحر عظيم*‏}‏ قال صاحب كتاب الزينة‏:‏ والسحر على وجوه كثيرة، منه الأخذ بالعين، ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه، ومنه غير ذلك، وأصله مأخوذ من التعلل بالباطل وقلب الأمر عن وجهه كما ذكرنا من لغة العرب‏.‏

ولما تناهى الأمر واشتد التشوف إلى ما صنغ موسى عليه السلام، قال معلماً عنه عطفاً على ‏{‏وجاءو‏}‏‏:‏ ‏{‏وأوحينا‏}‏ أي مظهرين لعظمتنا على رؤوس الأشهاد بما لا يقدر أحد أن يضاهيه ‏{‏إلى موسى أن ألق عصاك‏}‏ أي فألقاها ‏{‏فإذا هي‏}‏ من حين إلقائه لها ‏{‏تلقف‏}‏ أي تلتقم التقاماً حقيقياً شديداً سريعاً جداً بما دل عليه حذف التاء، ودل على كثرة ما صنعوا بقوله‏:‏ ‏{‏ما يأفكون*‏}‏ أي يجددون حين إلقائهم في تزويره وقلبه عن وجهه، فابتلعت ما كان ملء الوادي من العصيّ والحبال، ثم أخذها موسى عليه السلام فإذا هي كما كانت لم يزد شيء من مقدارها على ما كانت عليه، وفي هذا السياق المعلم بتثبت موسى السلام بعد عظيم ما رأى من سحرهم إلى الإيحاء إليه بيان لأدبه عليه السلام في ذلك المقام الضنك وسكونه تحت المقاربة مع مرسله سبحانه إلى بروز أوامره الشريفة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏118- 124‏]‏

‏{‏فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏118‏)‏ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ‏(‏119‏)‏ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ‏(‏120‏)‏ قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏121‏)‏ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏122‏)‏ قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏123‏)‏ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏124‏)‏‏}‏

ولما علم أن ما صنعوه إنما هم خيال، وما صنعه موسى عليه السلام أثبت من الجبال، سبب معقباً قوله‏:‏ ‏{‏فوقع الحق‏}‏ أي الذي لا شيء أثبت منه، فالواقع يطابقه لأن باطن الأمر مطابق لما ظهر منه من ابتلاعها لأمتعتهم فالإخبار عنه صدق، وفيه تنبيه على أن فعلهم إنما هو خيال بالنسبة إلى ظاهر الأمر، وأما في الباطن والواقع فلا حقيقة له، فالإخبار عن تحرك ما ألقوه كذب‏.‏

ولما أخبر عن ثبات الحق، أتبعه زوال الباطل فقال‏:‏ ‏{‏وبطل‏}‏ بحيث عدم أصلاً ورأساً ‏{‏ما كانوا يعملون*‏}‏ فدل بكان والمضارع على أنهم- مع بطلان ما عملوا- نسوا علمهم بحيث إنه أسند عليهم باب العمل بعد أن كان لهم به ملكة كملكة ما هو كالجبلة- والله أعلم؛ ثم سبب عن هذا قوله‏:‏ ‏{‏فغلبوا هنالك‏}‏ أي عند هذا الأمر العظيم العالي الرتبه ‏{‏وانقلبوا‏}‏ أي جزاء على قلبهم لتلك الحقائق عن وجوهها حال كونهم ‏{‏صاغرين*‏}‏ أي بعد أن كانوا- عند أنفسهم ومن يقول بقولهم وهوالأغلب- عالين، ولا ذل ولا صغار أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله على وجه لا يكون فيه حيلة‏.‏

ولما كان الأدب وذل النفس لا يأتي إلا بخير، لأنه اللائق بالعبيد، قاد كثيراً منهم إلى السعادة الأبدية، فلذلك قال‏:‏ ‏{‏وألقي السحرة‏}‏ أي ألقاهم ملقى الخوف من الله والشوق إلى الخضوع بين يديه والذل لديه حين عرفوا أن ما فعله موسى عليه السلام أمر سماوي، صدق الله تعالى به موسى عليه السلام في أنه رسوله، ولم يتأخروا بعد ذلك أصلاً حتى كأنهم خروا من غير اختيار ‏{‏ساجدين*‏}‏ شكراً لله تعالى وانسلاخاً عن الكفر ودليلاً على أقصى غايات الخضوع، فعل الله ذلك بهم حتى تبهر به فرعون وملأه وتحير عقولهم‏.‏

ولما كانوا بمعرض التشوف العظيم إلى معرفة قولهم بعد فعلهم، أخبر عن ذلك سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ أي حال إلقائهم للسجود ‏{‏آمنّا‏}‏ أي كلنا ‏{‏برب العالمين*‏}‏ أي الذي خلق فرعون ومن قبله وما يعيشون به؛ ثم خصوا من هداهم الله على أيديهما تصريحاً بالمراد وتشريفاً لهما فقالوا‏:‏ ‏{‏رب موسى‏}‏ ثم أزالوا الشبهة بحذافيرها- لأن فرعون ربما ادعى بتربية موسى عليه السلام أنه المراد- بقولهم‏:‏ ‏{‏وهارون*‏}‏ وفي الآية دليل على أن ظهور الآية موجب للإيمان عند من ظهرت له، ولو أن الرسول غير مرسل إليه‏.‏

ولما صرحوا بالذي آمنوا به تصريحاً منع فرعون أن يدلس معه بما يخيل به على قومه، شرع في تهديدهم على وجه يمكر فيه بقومه ويلبس عليهم إيقافاً لهم عن المبادرة إلى الإيمان- كما بادر السحرة- إلى وقت ما، فاستأنف الخبر عنه سبحانه بقوله مصرحاً باسمه غير مضمر له كما في في غير هذه السورة لأن مقصود السورة الإنذار، وهو أحسن الناس بالمناداة عليه في ذلك المقام، وقصته مسوفة لبيان فسق الأكثر، وهو أفسق أهل ذلك العصر‏:‏ ‏{‏قال فرعون‏}‏ منكراً عليهم موبخاً لهم بقوله‏:‏ ‏{‏آمنتم‏}‏ أي صدقتم ‏{‏به‏}‏ أي بموسى تصديقاً آمنه من رجوعكم عنه، ومن أخبر أراد الاستفهام، وأوهم فرعون من فهم عنهم من القبط إرادة الإيمان لأجل ما رأوا من دلائل صدق موسى عليه السلام واقتداء بالسحرة بقوله‏:‏ ‏{‏قبل أن آذن لكم‏}‏ ليوقفهم من خطر المخالفة له بما رجاهم فيه من إذنه، فلما ظن أنهم وقفوا خيلهم بما يذهب عنهم ذلك الخاطر أصلاً ورأساً بقوله مؤكداً نفياً لما على قوله من لواتح الكذب‏:‏ ‏{‏إن هذا لمكر‏}‏ أي عظيم جداً، وطول الكلام تبييناً لما أرادوا وتنسية لخاطر الإيمان فقال‏:‏ ‏{‏مكرتموه في المدينة‏}‏ أي على ميعاد بينكم وبين موسى، وحيلة احتلتموها قبل اجتماعكم، وليس إيمانكم لأن صدقه ظهر لكم؛ ثم علل بما يتعلق به فكرهم وتشوش قلوبهم فقال‏:‏ ‏{‏لتخرجوا‏}‏ أي أنتم وموسى عليه السلام ‏{‏منها أهلها‏}‏ وتسكنوها أنتم وبنو إسرائيل‏.‏

ولما استتب له ما أراد من دقيق المكر، شرع في تهديدهم بما يمنع غيرهم وربما ردهم، فقال مسبباً عن ذلك‏:‏ ‏{‏فسوف تعلمون*‏}‏ أي بوعد لا خلف فيه ما أفعل بكم من عذاب لا يحتمل، ثم فسر ما أجمل من هذا الوعيد بقوله‏:‏ ‏{‏لأقطعن أيديكم‏}‏ أي اليمنى مثلاً ‏{‏وأرجلكم‏}‏ أي اليسرى، ولذلك فسره بقوله‏:‏ ‏{‏من خلاف‏}‏ أي يخالف الطرف- الذي تقطع منه اليد- الطرف الذي تقطع منه الرجل‏.‏

ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار، فذكر فيها ما وقع لموسى عليه السلام والسحرة على وجه يهول ذكر ما كان من أمر فرعون على وجه يقرب من ذلك، فعبر بحرف التراخي لأن فيه- مع الإطناب الذييكون شاغلاً لأصحابه عما أدهشهم مما رأوه- تعظيماً لأمر الصلب‏.‏ فيكون أرهب للسحرة ولمن تزلزل بهم من قومه فقال‏:‏ ‏{‏ثم لأصلبنكم‏}‏ أي أعلقنكم ممدودة أيديكم لتصيروا على هيئة الصليب، أو حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم ‏{‏أجمعين*‏}‏ أي لا أترك منكم أحداً لأجعلكم نكالاً لغيركم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏125- 128‏]‏

‏{‏قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ‏(‏125‏)‏ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ‏(‏126‏)‏ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ‏(‏127‏)‏ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏128‏)‏‏}‏

ولما كان حالاً يشوق النفوس إلى جوابهم، استأنفه بقوله‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ أي أجمعون، لم يرتع منهم إنسان ولا تزلزل عما منحه الله به من رتبة الإيمان ‏{‏إنا إلى ربنا‏}‏ أي الذي ما زال يحسن إلينا بنعمه الظاهرة والباطنة حتى جعل آخر ذلك أعظم النعم، لا إلى غيره ‏{‏منقلبون*‏}‏ أي بالموت انقلاباً ثابتاً لا انفكاك لنا عنه إن صلبتنا أو تركتنا، لا طمع لنا في البقاء في الدنيا، فنحن لا نبالي- بعد علمنا بأنا على حالة السعداء- بالموت على أيّ حالة كان، أو المراد أنا ننقلب إذا قتلتنا إلى من يحسن إلينا بما منه الانتقام منك، ولذلك اتبعوه بقولهم‏:‏ ‏{‏وما تنقم‏}‏ أي تنكر ‏{‏منا‏}‏ أي فعلك ذلك بنا وتعيب علينا ‏{‏إلا أن آمنا‏}‏ أي إلا ما هو أصل المفاخر كلها وهو الإيمان ‏{‏بآيات ربنا‏}‏ أي التي عظمت بكونها صادرة عنه ولم يزل محسناً إلينا فوجب علينا شكره ‏{‏لما‏}‏ أي حين ‏{‏جاءتنا‏}‏ لم نتأخر عن معرفة الصدق المصدَّق، وهذا يوجب الإكرام لا الانتقام؛ ثم آذنوه بأنهم مقدمون على كل ما عساه أن يفعل به فقالوا‏:‏ ‏{‏ربنا‏}‏ أي أيها المحسن إلينا القادر على خلاصنا ‏{‏أفرغ‏}‏ أي صب صباً غامراً ‏{‏علينا‏}‏ أي فيما تهددنا به هذا الذي قويته علينا ‏{‏صبراً‏}‏ أي كثيراً تغمرنا به كما يغمر الماء من يفرغ عليه حتى لا يروعنا ما يخوفنا به ‏{‏وتوفنا‏}‏ أي اقبض أرواحنا وافية حال كوننا ‏{‏مسلمين*‏}‏ أي عريقين في الانقياد بالظاهر والباطن بدلائل الحق، والظاهر أن الله تعالى أجابهم فيما سألوه تلويحاً بذكر الرب فلم يقدره عليهم لقوله تعالى ‏{‏أنتما ومن اتبعكما الغالبون‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 35‏]‏ ولم يات في خبر يعتمد أنه قتلهم، وسيأتي في آخر الحديد، عن تاريخ ابن عبد الحكم ما هو صريح في خلاصهم‏.‏

ولما قنع فرعون في ذلك الوقت الذي بهرت قومه تلك المعجزة الظاهرة بالانفصال على هذا الوجه الذي لم يدع فيه حيلة إلا خيل بها، وخلص موسى عليه السلام بقومه متمكناً منهم بعض التمكن، وكان السياق لبيان أن أكثر الخلق فاسق، أخبر تعالى بما قال قوم فرعون بعدما رأوا من المعجز القاهر دليلاً على ذلك، فقال عاطفاً على ‏{‏وألقي السحرة ساجدين‏}‏ وما بعده، أو على قول فرعون‏:‏ ‏{‏وقال الملأ‏}‏ أي الأشراف ‏{‏من قوم فرعون‏}‏ أي ظانين أن فرعون متمكن مما يريد بموسى عليه السلام من الأذى منكرين لما وصل إليه الحال من أمر موسى عليه السلام حين فعل ما فعل وآمن به السحرة، وما عمل فرعون شيئاً، لا قتله ولا حبسه، لأنه كان لا يقدرعلى ذلك ولا يعترف به لقومه ‏{‏أتذر موسى وقومه‏}‏‏.‏

ولما كان ما كان في أول مجلس من إيمان السحرة جديراً بأن يجر إليه أمثاله، سموه فساداً وجعلوه مقصوداً لفرعون إحماء له واستغضاباً فقالوا‏:‏ ‏{‏ليفسدوا‏}‏ أي يوقعوا الفساد وهو تغيير الدين ‏{‏في الأرض‏}‏ أي التي هي الأرض كلها، وهي أرضنا هذه، أو الأرض كلها، لكون مثل هذا الفعل جديراً برد أهل الأرض كلهم عن عقائدهم ‏{‏ويذرك وآلهتك‏}‏ قيل‏:‏ كان أمر قومه أن يعبدوا الأصنام تقرباً إليه، وقال الإمام‏:‏ الأقرب أنه كان دهرياً منكراً لوجود الصانع، وكان يقول‏:‏ مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأنه المخدوم في العالم للخلق أو لتلك الطائفة والمربي لهم؛ ثم قال‏:‏ وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال‏:‏ إنه كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب ويعبدها على ما هو دين عبدة الكواكب انتهى‏.‏

ولذلك قال‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏،- هكذا قيل، وهو ظاهر عبارة التوارة الآتية في آية القمل، ولكن إرادته غير ملائمة لهذه المعادلة، بل الظاهر أنه كان سمى أمراءة آلهة، وسمى لكل أمير قوماً يتألهونه أي يطيعونه، فإنه نقل عنهم أنهم كانوا يسمون الحاكم بل والكبير إلهاً كما سيأتي عن عبارة التوارة، فحيث وقعت الموازنة بين موسى عليه السلام وقومه وبين فرعون وقومه، عبر بالآلهة تعظيماً لجانبه بالإشارة إلى أنه إله أي حاكم معبود، ليس وراءه منتهى وملؤه كلهم آلهة أي حكام دونه، وموسى عليه السلام ليس بإله ولا في قومه إله بل هم محكوم عليهم فهم ضعفاء فكيف يتركون‏!‏ وحيث نفي الإلهية عن غيره فبالنظر إلى خطابه للملأ ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 38‏]‏ وحيث حشر الرعية ناداهم بقوله ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏ وكأن ذلك كان يطلق على الحاكم مجازاً، فجعلوه حقيقة وصاروا يفعلون ما يختص به الآلهة من التحليل والتحريم كما قال تعالى ‏{‏اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 31‏]‏ فكفروا بادعاء الربوبية بمعنى العبودية، ونفي المعبود الحق بدليل آية ‏{‏ما عملت‏}‏، والحاصل أنهم عيروه بالرضى بأن يكون رئيساً على القبط وموسى عليه السلام رئيساً على بني إسرائيل فيكونوا بهذه المتاركة أكفاء للقبط‏.‏

ولما أعجزه الله سبحانه أن يفعل أكثر مما كان يعمل قبل مجيء موسى عليه السلام لما يراد به من الاستدراج إلى الهلاك، أخبر عنه سبحانه بما يفهم ذلك فقال مستأنفاً‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ أي فرعون ‏{‏سنقتل‏}‏ أي تقتيلاً كثيراً ‏{‏أبناءهم‏}‏ أي كما كنا نفعل ‏{‏ونستحيي نساءهم‏}‏ أي نبقيهم أحياء إذلالاً لهم وأمناً من غائلتهم في المستقبل ‏{‏وإنا فوقهم‏}‏ أي الآن ‏{‏قاهرون*‏}‏ ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظر لئلا تتوهم العامة أنه المولود الذي تحدث المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده فيثبطهم ذلك عن الطاعة، موهماً بهذا أن تركه لأذى موسى عليه السلام لعدم التفاته‏؟‏ إليه، لايعجزه شيء عنه‏.‏

ولما كان هذا أمراً يزيد من قلق بني إسرائيل لما شموا من رائحة الفرج، استأنف سبحانه الخبر عما ثبتهم به موسى عليه السلام قائلاً‏:‏ ‏{‏قال موسى لقومه‏}‏ أي بني إسرائيل الذين فيهم قوة وقيام فيما يريدون من الأمور لو اجتمعت قلوبهم ‏{‏استعينوا‏}‏ أي ألصقوا طلب العون ‏{‏بالله‏}‏ الذي لا أعظم منه بما يرضيه من العبادة ‏{‏واصبروا‏}‏ ثم علل ذلك بأنه فعال لما يريد، ولا اعتراض عليه ولا مفر من حكمه فقال‏:‏ ‏{‏إن الأرض‏}‏ أي كلها مصر وغيرها ‏{‏لله‏}‏ أي الذي لا أمر لأحد معه، كرره تذكيراً بالعظمة وتصريحاً وتبركاً؛ ثم استأنف قوله‏:‏ ‏{‏يورثها من يشاء من عباده‏}‏‏.‏

ولما أخبر أن نسبة الكل إليه واحدة، أخبر بما يرفع بعضهم على بعض فقال‏:‏ ‏{‏والعاقبة‏}‏ أي والحال أن آخر الأمر وإن حصل بلاء ‏{‏للمتقين*‏}‏ أي الذين يقون أنفسهم سخط الله بعمل ما يرضيه فلا عبرة بما ترون في العاجل فإنه قد يكون استدراجاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏129- 132‏]‏

‏{‏قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ‏(‏129‏)‏ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏130‏)‏ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏131‏)‏ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏132‏)‏‏}‏

ولما تشوف السامع إلى ما كان من جوابهم، أشار تعالى أن قلقهم كان وصل إلى حد لا صبر معه بقوله مستأنفاً‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ ولما كان الموجع هو الأذى، لا كونه من معين، بنوا للمفعول قولهم‏:‏ ‏{‏أوذينا‏}‏ أي بالقتل والاستعباد‏.‏

ولما كان أذاهم غير مستغرق للزمان، أثبتوا الجارّ فقالوا‏:‏ ‏{‏من قبل أن تأتينا‏}‏ أي كما تعلم ‏{‏ومن بعد ما جئتنا‏}‏ أي فما الذي أفادنا مجيئك ‏{‏قال‏}‏ مسلياً لهم وداعياً ومرجياً بما رمز إليه من قبل ‏{‏عسى ربكم‏}‏ أي الذي أحسن إلى آبائكم بما تعرفون وإليكم بإرسالي إليكم ‏{‏أن يهلك عدوكم‏}‏ فلا يهولنكم ما ترون ‏{‏ويستخلفكم‏}‏ أي ويوجد خلافتكم لهم متمكنين، لا يحكم عليكم غيركم ‏{‏في الأرض‏}‏ أي جنسها إن كنتم متقين؛ ثم سبب عن الاستخلاف قوله مذكراً لهم محذراً من سطواته سبحانه‏:‏ ‏{‏فينظر‏}‏ أي وأنتم خلفاء متمكنون ‏{‏كيف تعملون*‏}‏ أي يعاملكم معاملة المختبر وهو في الأزل أعلم بما تعملون منكم بعد إيقاعكم للأعمال، ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة عليكم على مجاري عاداتكم‏.‏

ولما رجاهم موسى عليه السلام بذلك، أخبر سبحانه أنه فعل ما أخبرهم به، فذكر مقدماته فقال‏:‏ ‏{‏ولقد‏}‏ أي قال لهم ما قال والحال أنا وعزتنا قد ‏{‏أخذنا‏}‏ أي قهرنا ‏{‏آل فرعون‏}‏ ولينّا عريكتهم وسهلنا شكيمتهم ‏{‏بالسنين‏}‏ أي بالقحط والجوع، فإن السنة يطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام؛ ولما كانت السنة تطلق على نقص الحبوب، صرح بالثمار فقال، ‏{‏ونقص من الثمرات‏}‏ أي بالعاهات إن كان الماء كثيراً، أو السنة للبادية والنقص للحاضرة ‏{‏لعلهم يذكرون*‏}‏ أي ليكون حالهم حال من يرجو ناظره أن يتذكر في نفسه ولو بأدنى وجوه التذكر- بما أشار إليه الإدغام، فإن الضر يزيل الشماخة التي هي مظنة الوقوف مع الحظوظ ويوجب للإنسان الرقة فيقول‏:‏ هذا إنما حصل لي بسبب تكذيبي لهذا الرسول وعبادتي من لا يكشف السوء عن نفسه ولا غيره‏.‏

ولما لم يتذكروا ولا لانوا، سبب عن أخذهم قوله معرفاً بغباوتهم معبراً في الخير بأداة التحقيق إشارة إلى أنه أغلب من الشر، حثاً على الشكر‏:‏ ‏{‏فإذا‏}‏ أي فما تسبب عن ذلك إلا أنهم كانوا إذا ‏{‏جاءتهم الحسنة‏}‏ أي الحالة الكاملة التي يحبونها من الخصب وغيره، وعرفها بعد تحقيقها إشارة إلى إكمالها ‏{‏قالوا لنا هذه‏}‏ أي نحن حقيقون بها، ودل على أن الخير أكثر من غيره بقوله بأداة الشك مع التنكير‏:‏ ‏{‏وإن تصبهم سيئة‏}‏ أي حالة يكرهونها‏.‏

ولما كانت افصابة بالسيئات تخصهم ولا يلحق بني إسرائيل منها شيء، فكان إظهارهم للتطير بهم ظاهراً في ردهم عليهم وتكذيبهم فيه، أشار سبحانه بإدغام التاء إلى أنهم كانوا إنما يدسونه إلى من يمكنهم اختداعه من الجهلة والأغبياء على وجه الحلية والخفاء، بخلاف ما في يس فقال‏:‏ ‏{‏يطيروا‏}‏ أي يتشاءموا ‏{‏بموسى ومن معه‏}‏ أي بأن يقولوا‏:‏ ما حصل لنا هذا السوء إلا بشؤمهم، وهو تفعل من الطير، وهو تعمد قصد الطير لأن يطير للتفاؤل به خير أو شر، وأصله أن العرب كانوا إذا مر الطائر من ميامنهم إلى جهة مياسرهم قالوا‏:‏ بارح، أي مشؤوم، من البرح وهو الشدة، فإذا طار من جهة اليسار إلى جهة اليمين عدوه مباركاً، قالوا‏:‏ من لي بالسانح بعد البارح، أي بالمبارك بعد المشؤوم، وعرف أن المراد هنا التشاؤم لاقترانه بالسيئة‏.‏

ولما كذبوا في الموضعين، قال مستأنفاً على وجه التأكيد‏:‏ ‏{‏ألا إنما طائرهم‏}‏ أي قدرهم الذي سبق في الأزل من الخير والشر فلا يزداد ولا ينقص ‏{‏عند الله‏}‏ أي الملك الذي لا أمر لغيره وقد قدر كل شيء، فلا يقدر على المجيء به غيره أصلاً ‏{‏ولكن أكثرهم لا يعلمون*‏}‏ أي لا علم لهم أصلاً فهم لا يهتدون إلى ما ينفعهم ويظنون أن للعباد مدخلاً في ذلك، فلذلك تراهم يضيفون الأشياء إلى أسباب يتوهمونها‏.‏

ولما كان هذا الذي قالوه يدل على سوء المزاج وجلافة الطباع بما لا يقبل العلاج، أتبعه ما هو شر منه، وهو أنهم جزموا بأنه كلما أتاهم شيء في المستقبل قابلوه بالكفر فقال‏:‏ ‏{‏وقالوا مهما‏}‏ هي مركبة من «ما» مرتين‏:‏ الأولى الشرطية والثانية تأكيد‏.‏ قلبت ألف الأولى هاء استثقالاً، قيل‏:‏ مه هي الصوت الذي يكون للكف وما الشرطية، أي كف عنك ما أنت فيه‏.‏ ثم استأنفوا «ما» ‏{‏تأتنا به‏}‏ أي في أيّ وقت وعلى أيّ حالة كان؛ ثم بينوا المأتي به بقولهم‏:‏ ‏{‏من آية‏}‏ أي علامة على صدقك، وهذا على زعمه، ولذلك عللوه بقولهم‏:‏ ‏{‏لتسحرنا‏}‏ أي لتخيل على عقولنا ‏{‏بها‏}‏ وتلفتنا عما نحن عليه إلى ما تريد فنحن نسميها سحراً وأنت تسميها آية؛ ثم أجابوا الشرط بقولهم‏:‏ ‏{‏فما نحن‏}‏ أي كلنا ‏{‏لك‏}‏ أي خاصة ‏{‏بمؤمنين*‏}‏ أي من أن نكذبك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏133- 137‏]‏

‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ‏(‏133‏)‏ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏134‏)‏ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ‏(‏135‏)‏ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ‏(‏136‏)‏ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ‏(‏137‏)‏‏}‏

ولما بارزوا بهذه العظمية، استحقوا النكال فسبب عن ذلك قوله‏:‏ ‏{‏فأرسلنا عليهم‏}‏ أي عذاباً لهم- لما يفهمه حرف الاستعلاء ‏{‏الطوفان‏}‏ أي الرعد والبرق والنار مع المطر والبرد الكُبار الذي يقتل البقر فما دونها، والظلمة والريح الشديدة التي عمت أرضهم وطافت بها؛ ولما كان ذلك ربما أخصبت به الأرض، أخبر أنه أرسل ما يفسد ذلك فقال‏:‏ ‏{‏والجراد‏}‏‏.‏

ولما كان الجراد ربما طار وقد أبقى شيئاً، أخبر بما يستمر لأزقاً في الأرض حتى لا يدع بها شيئاً فقال‏:‏ ‏{‏والقمل‏}‏ قال في القاموس‏:‏ القمل كالسكر‏:‏ صغار الذر والدبى الذي لا أجنحة له- وهو أصغر الجراد أو شيء صغير بجناح أحمر، وشيء يشبه الحلم خبيث الرائحة أو دواب صغار كالقردان يعني القراد‏.‏ وقال البخاري في بني إسرائيل من صحيحه‏:‏ القمل‏:‏ الحمنان يشبه صغار الحلم‏.‏

ولما ربما كان عندهم شيء مخزوناً لم يصل إليه ذلك، أخبر بما يسقط نفسه في الأكل فيفسده أو ينقصه فقال‏:‏ ‏{‏والضفادع‏}‏ فإنها عمت جميع أماكنهم، وكانت تتساقط في أطعمتهم، وربما وثبت إلى أفواههم حين يفتحونها للأكل‏.‏

ولم تم ما يضر بالماكل، أتبعه ما أفسد المشرب فقال‏:‏ ‏{‏والدم‏}‏ فإن مياههم انقلبت كلها دماً منتناً، وعم الدم الشجر والحجارة وجميع الأرض في حق القبط، وأما بنو إسرائيل فسالمون من جميع ذلك‏.‏

ولما ذكر تعالى هذه الآيات العظيمة، نبه على عظمتها بذكر حالها فقال‏:‏ ‏{‏آيات‏}‏ أي علامات على صدقه عظميات ‏{‏مفصلات‏}‏ أي يتبع بعضها بعضاً، وبين كل واحدة وأختها حين يختبرون فيه مع أن مغايرة كل واحدة لأختها في غاية الظهور، وكذا العلم بأنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره‏.‏

ولما كانت حقيقة بان يتسبب عنها الإيمان عند سلامة القلب، سبب عنها قوله‏:‏ ‏{‏فاستكبروا‏}‏ مبيناً أن الذي منعهم من الإيمان مرض القلب بالكبر والطغيان ‏{‏وكانوا قوماً مجرمين*‏}‏ أي في جبلتهم قطع ما ينبغي وصله مع قوتهم على ما يحاولونه‏.‏

ولما كان هذا في الحقيقة نقضاً لما أخذه الله على العباد بعهد العقل، أتبعه نقضاً حقيقياً، فقال مبيناً لحالهم عند كل آية، ولعله عبر بما يشملها ولم ينص على التكرار لأن ذلك كاف فيما ذكر من النقض والفسق‏:‏ ‏{‏ولما وقع عليهم الرجز‏}‏ يعني العذاب المفصل الموجب للاضطراب ‏{‏قالوا يا موسى ادع لنا ربك‏}‏ أي المحسن إليك، ولم يسمحوا كبراً وشماخة أن يعرفوا به ليقولوا‏:‏ ربنا ‏{‏بما عهد عندك‏}‏ أي من النبوة التي منها هذا البر الذي تراه يصنعه بك؛ ثم أكدوا العهد بقولهم استئنافاً أو تعليلاً‏:‏ ‏{‏لئن كشفت عنا الرجز‏}‏ أي العذاب الذي اضطربت قلوبنا وجميع أحولنا له ‏{‏لنؤمنن لك‏}‏ أي لنجعلنك آمناً من التكذيب بإيقاع التصديق، ويكون ذلك خالصاً لأجلك وخاصاً بك ‏{‏ولنرسلن معك‏}‏ أي في صحبتك، لا نجس أحداً منكم عن الآخر ‏{‏بني إسرائيل*‏}‏ أي كما سألت؛ ودل على قرب الإجابة بالفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فلما كشفنا‏}‏ أي بعظمتنا ‏{‏عنهم الرجز‏}‏ كرره تصريحاً وتهويلاً، ومددنا الكشف ‏{‏إلى أجل‏}‏ أي حد من الزمان ‏{‏هم بالغوه‏}‏ أي في علمنا ‏{‏إذا هم‏}‏ أي بضمائرهم التي تجري ظواهرهم على حسبها ‏{‏ينكثون*‏}‏‏.‏

ولما أخبر أنهم فاجؤوا النكث وكرروه، سبب عنه قوله‏:‏ ‏{‏فانتقمنا منهم‏}‏ أي انتقاماً ليس كذلك الذي كنا نؤذيهم به، بل انتقام إهلاك عبرة لوصولهم بعد كشف جميع الشبه إلى مخص العناد؛ ثم فسره بقوله‏:‏ ‏{‏فأغرقناهم‏}‏ بما لنا من العظمة ‏{‏في اليم‏}‏ أي في البحر الذي يقصد لمنافعة ‏{‏بأنهم‏}‏ أي بسبب أنهم ‏{‏كذبوا بآياتنا‏}‏ أي على ما لها من العظمة بما عرف من صحة نسبتها إلينا، ودل سبحانه على أنهم كذبوا بغير شبهة عرضت لهم بل عناداً بقوله‏:‏ ‏{‏وكانوا‏}‏ أي جبلة وطبعاً ‏{‏عنها غافلين*‏}‏ أي يكون حالهم بعدها كحالهم قبلها، فكأنها لم تأتهم أصلاً فاستحقوا الأخذ لوقوع العلم بأن الآيات لا تفيدهم‏.‏

ولما أخبر عن إهلاكهم، عطف عليه ما صنع ببني إسرائيل فقال‏:‏ ‏{‏وأورثنا‏}‏ أي بعد إهلاكهم بما لنا من العظمة ‏{‏القوم‏}‏ ولما اشار بهذه العبارة- التي معناها أنه كانت فيهم قوة وكثرة وشدة عزم على ما يحاولونه ويقومون به- إلى أنه هو الذي أذلهم لا فرعون، أتبعه ما يدل عليه فقال‏:‏ ‏{‏الذين كانوا يستضعفون‏}‏ أي يطلب ضعفهم ويوجد بالشوكة واجتماع الكلمة بحاكم قد تمكنت عظمته في القلوب التي الوهم غالب عليها، وهم بنو إسرائيل ‏{‏مشارق الأرض‏}‏ أي الكاملة لبركاتها ‏{‏ومغاربها‏}‏ أي أرض الشام من الفرات إلى بحر سوف‏:‏ الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه فرعون وآله- كما مضى نقله في المائدة عن التوارة، يعني حكمنا بإيراثهم ذلك وأنجزناه لأبناء الذين خرجوا من مصر بعد إهلاكهم في التيه؛ ثم وصفها تغبطاً بها بقوله‏:‏ ‏{‏التي باركنا فيها‏}‏ أي في أرضها بالمياه والأشجار والثمار والخصب، وفي أرزاقها بالكثرة والطيب، وفي رجالها بالعلم والنبوة وفي طباعهم بالاستقامة، وفي عزائمهم بالنجدة والشجاعة والمكارم، وفي جميع أحوالهم بأنه لا يبغيهم ظالم إلا عوجل بالنقمة ‏{‏وتمت‏}‏ أي وجدت صحتها لوجود مضمونها في عالم الشهادة وظهوره من ستور الغيب ‏{‏كلمت ربك‏}‏ أي المحسن إليك بإنزال هذه الأنباء على هذه الوجوه المفيدة مع إعجازها لغاية العلم والحكمة ‏{‏الحسنى‏}‏ مستعلية ‏{‏على بني إسرائيل*‏}‏ أي التي هي أحسن الكلام وهي وعده سبحانه لهم بالخلاص من العبودية وإيراثهم مساكن آبائهم كما كانوا يسمعون من أسلافهم، وإذا استعلت عليهم منعت أعداءهم من الوصول إليهم ‏{‏بما صبروا‏}‏ أي بسبب صبرهم على الاستعباد وذبح الأولاد وما حصل بعد ذلك من طويل الأنكاد ‏{‏ودمرنا‏}‏ أي أهلكنا إهلاكاً عظمياً جعل يدمره كالرماد، لا خير فيه أصلاً ‏{‏ما كان يصنع‏}‏ أي صنعاً بغاية الإقبال عليه حتى كأنهم خلقوا لهم ‏{‏فرعون وقومه‏}‏ أي من الصنائع الهائلة المعجبة لكل من يراها أو يسمع بها مع أنهم قد مرنوا عليها فصارت أسهل شيء عندهم ‏{‏وما كانوا‏}‏ أي بما هو كالجبلة والطبع ‏{‏يعرشون*‏}‏ أي من الجنان والقصور العالية الأركان، وكفى بهذه الآية حاثة على الصبر وضامنة على كل حائز للأجر بالتفريج عن المظلوم ونصره وإهلاك الظلوم وقهره‏.‏

شرح ما يحتاج إلى شرحه هنا من التوراة الموجودة الان بين أظهر اليهود، قال مترجماً في الأصحاح الثالث من السفر الثاني ما نصه‏:‏ وقال الرب لموسى في مدين‏:‏ انطلق راجعاً إلى مصر لأن الرجال الذين كانوا يطلبون نفسك قد هلكوا جميعاً، فانطلق موسى بامرأته وبينه وحملهم على حماره وأخذ بيده عصا الرب، وقال الرب الموسى‏:‏ انظر كل آية أجريتها على يدك فاصنعها أمام فرعون وأنا أقسي قلبه فلا يرسل الشعب وقل لفرعون‏:‏ هكذا يقول الرب‏:‏ ابني بكري إسرائيل، أرسل ليعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكري، فلما صار موسى في الطريق في المبيت لقيه ملاك الرب فأخذت صفورا حجراً من حجارة المروة فحشت غرلة ابنها وأخذت برجليه- وفي نسخة السبعين‏:‏ ووقعت عند رجليه- وقالت‏:‏ إن اليوم عرس الدم- تعني الختان، فقال الرب لهارون‏:‏ اخرج فتلق أخاك في القفر، فخرج فلقيه في جبل الله في حوريب فعانقه وقبله، فأخبر موسى هارون بجميع قول الرب الذي أرسله فيه وما أمره من الآيات، وانطلق موسى وهارون، فجمع أشياخ بني إسرائيل، فقص عليهم جميع ما قال الرب لموسى، وحرج جرائح وآيات قدام الشعب- وفي نسخة السبعين‏:‏ فجمعا مشايخ بني إسرائيل وتكلم هارون بجميع الكلام الذي كلم الله به موسى وعمل الآيات قدام الشعب- فآمن الشعب وسمعوا أن الرب قد ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى خضوعهم، وجثا الشعب وسجدوا للرب، ومن بعد هذه الآيات والخطوب دخل موسى وهارون وقالا لفرعون‏:‏ هكذا يقول الله رب إسرائيل‏:‏ أرسل شعبي يحجون إلى القفر- وفي نسخة السبعين‏:‏ ليعبدوني في البرية- عوض‏:‏ يحجون إلى القفر، فقال فرعون‏:‏ ومن هو الرب حتى أطيعه‏؟‏ لا أعرف الرب ولا أرسل بني إسرائيل، وقالا له‏:‏ الرب إله العبرانيين اعتلن لنا، فننطلق مسيرة ثلاثة أيام القفر ونذبح الذبائح لله ربنا لكيلا ينزل بنا الحزن والوباء- وفي نسخة السبعين‏:‏ لئلا يفاجئنا موت أو قتل- قال فرعون‏:‏ ما بالكما تبطلان الشعب من أعمالهم‏؟‏ فأمر فرعون ولاة الشعب وكتبتهم وقال لهم‏:‏ لا تعودوا أن تعطوا الشعب تبناً لضرب اللبن كما كنتم تعطونهم، بل هم ينطلقون فيجمعون لأنفسهم التبن، وخذوهم بحساب اللبن على ما كنتم تأخذونهم به أمس وأول من أمس- ونسخة السبعين‏:‏ في كل يوم لا تنقصوهم شيئاً من عملهم لأنهم بطروا لذلك يصيحون فيقولون‏:‏ ننطلق فنذبح للرب إلهنا- فليشتد العمل على الرجال- ونسخة السبعين- فليتضاعف عمل هؤلاء القوم- حتى يهتموا به ولا يهتموا بكلام الباطل، فخرج ولاة الشعب وكتبتهم يما قال فرعون، فتقرق الشعب في جميع أرض مصر في جميع التبن، وجعل ولاتهم يلحون عليهم ويقولون‏:‏ ارفعوا إلينا العمل كما كنتم ترفعون من قبل حيث كنتم تعطون التبن، فزادت كتبة بني إسرائيل وعوقبوا من الذين ولوهم عليهم وقالوا‏:‏ لم لم ترفعوا إلينا حساب اللبن كما كنتم ترفعون، فأتى كتبة بني إسرائيل فشكوا إلى فرعون وقالوا‏:‏ ما بال عبيدك يصنع بهم هذا الصنيع‏؟‏ فقال فرعون‏:‏ أنتم قوم بطرون، تقولون‏:‏ ننطلق لنذبح لربنا، فسار- أي الكتبة- في بني إسرائيل وقالوا لهم‏:‏ لا تنقصوا من لبنكم شيئاً، بل ارفعوا إلينا كما كنتم ترفعون كل يوم، فلقوا موسى وهارون وهما واقفان أمامهم- وفي نسخة السبعين‏:‏ وهما يجيئان نحوهم إذ خرجوا من بين يدي فرعون- فقالوا لهما‏:‏ الله يحكم بيننا وبينكما لأنكما حرضتما علينا فرعون وعبيده حتى ضيق علينا بأن يضع السلاح فينا فيقتلنا، فرجع موسى إلى الرب وقال‏:‏ يارب‏!‏ لم أسأت بشعبك وأضررت به‏؟‏ لأني ساعة أن أتيت فرعون فذكرت اسمك أساء بهذا الشعب وشق عليهم وأنت تخلص شعبك، فقال الرب لموسى‏:‏ الآن ترى ما أصنع بفرعون لأنه سيرسلهم- وفي نسخة السبعين‏:‏ وسوف ترى ما أصنع بفرعون وكيف يرسلهم بيد منيعة وبذراع عظيمة يخرجهم من أرض مصر‏!‏ أنا الرب الذي اعتلنت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وسميت بإله المواعيد ولم أعلمهم اسم الرب- وفي نسخة السبعين‏:‏ واسمي الرب فلم أظهره لهم- وأثبت عهدي أيضاً ووعدتهم أن أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي سكنوها؛ وقد سمعت ضجيج بني إسرائيل من تعبد أهل مصر، وأنجيكم من أعمالهم واخلصكم بيد منيعة وذراع عالية وبأحكام عظيمة، وأختصكم لي شعباً وأكون لكم إلهاً، وتعرفون أني أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من تعبد المصريين وأقبل بكم إلى الأرض التي رفعت يدي لأعطيها آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأجعلها لكم ميرثاً إلى الدهر، أنا الرب‏!‏ فقال موسى لبني إسرائيل هذه الأقاويل فلم يسمعوا من موسى ولم يطيعوه من شدة حزنهم واستيقاد نفوسهم من الكد الشديد، وكلم الرب موسى وقال له‏:‏ انطلق إلى فرعون ملك مصر وقل له فيرسل بني إسرائيل- من أرض مصر، فقال موسى للرب‏:‏ إن بني إسرائيل لا يسمعوني ولا يطيعوني، وأنا أرتّ المنطق ثقيل اللسان فكيف يطيعني فرعون ويسمع مني‏!‏ فقال الرب لموسى‏:‏ انظر، إني قد جعلتك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبياً عليك، أنت تقضي جميع ما آمرك به، وهارون أخوك يقول لفرعون- وفي نسخة السبعين‏:‏ وهارون أخوك يكون لك نبياً وأنت تتكلم بجميع ما آمرك به وهارون أخوك يكلم فرعون- ليرسل بني إسرائيل من أرضه وأنا أقسي قلب فرعون فأكثر آياتي وعجائبي بأرض مصر، فلا يطيعكما فرعون ولا يسمع منكما فأمد يدي على مصر وأخرج جميع جنودي وشعبي بني إسرائيل من أرض مصر بالأحكام العظام، فيعرف أهل مصر أني أنا الرب، فصنع موسى وهارون كما أمرهما الرب وانتهيا إلى أمره، وكان قد أتى على موسى ثمانون سنة، وكان ابن ثلاث وثمانين سنة إذ كلما فرعون، فقال الرب لموسى وهارون، إن قال لكما فرعون‏:‏ أظهرا لي آية وجريحة، قل لهارون‏:‏ خذ عصاك وألقها بين يدي فرعون فتكون تنيناً عظيماً، فأتى موسى وهارون إلى فرعون فصنعا كما أمرهما الرب، فألقى عصاه- وفي نسخة السبعين‏:‏ فألقى هارون عصاه- بين يدي فرعون وأمام أمرائه- وفي نسخة السبعين‏:‏ وعبيده- فصارت تنيناً عظيماً، فدعا فرعون بالحكماء والسحرة، فصنع سحرة مصر أيضاً بسحرهم كذلك، فألقى كل امرئ منهم عصاه فصارت تنيناً فابتلعت عصا هارون عصيهم، فقسا قلب فرعون وأبى أن يرسلهم كما قال الرب، وقال الرب لموسى‏:‏ إن قلب فرعون قد قسا وأبى أن يرسل الشعب، انطلق إلى فرعون بالغداة، هو ذا يخرج ليغتسل على شاطئ البحر، وخذ العصا التي تحولت في يدك ثعباناً وقل‏:‏ وإن الرب إله العبرانيين أرسلني إليك، يقول لك‏:‏ أرسل شعبي حتى يعبدني في البرية لأنك حتى الآن لا تسمع ولا تطيع، هكذا يقول الرب‏:‏ بهذا تعلم أني أنا الرب، هأنذا أضرب ماء النهر بعصاي فيصير دماً، وتموت الحيتان التي في النهر وينتن- وفي نسخة السبعين‏:‏ ولا يقدر أهل مصر أن يشربوا الماء من هذا النهر- وقال الرب لموسى‏:‏ مر هارون أن يأخذ عصاه، وارفع يدك على ماء المصريين على أنهارهم وعلى غدرانهم وعلى آجامهم وعلى دواليب مياههم- وفي نسخة السبعين‏:‏ وقال الرب لموسى‏:‏ قل لهارون‏:‏ خذ عصاك ومد يدك على ماء مصر وعلى أنهارها وآجامها ونقارها وعلى كل مائها المستنقع- فيتحول دماً، فيصير الدم في جميع أهل مصر في الأرض والخسب والحجارة، فصنع موسى وهارون كما أمرهما الرب، فرفع هارون العصا التي في يده فضرب بها ماء النهر وفرعون وعبيده ينظرون، فتحول ماء النهر فصار دماً، وماتت الحيتان التي بالنهر، ففسد ماء النهر وأنتن، ولم يقدر أهل مصر على شرب الماء من الدم، فصار الدم في جميع أرض مصر وقسا قلب فرعون فلم يطعهما كالذي قال الرب، فانصرف فرعون فدخل منزله ولم يفكر في شيء من ذلك وتهاون به، وكملت سبعة أيام من بعد ما ضرب الرب النهر، وقال الرب لموسى‏:‏ انطلق إلى فرعون وقل له‏:‏ هكذا يقول الرب‏:‏ أرسل شعبي حتى يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله فإني أضرب جميع حدودك بالضفادع فتدب الضفادع فتصعد فتدخل إلى بيتك وقيطونك وفي مبيتك وعلى مضجعك وأسرتك في بيوت عبيدك وشعبك ومخادعك وبيوت طعامك، وتدب الضفادع عليك وعلى جميع شعبك، وقال الرب لموسى‏:‏ قل لهارون أخيك أن مد يدك بعصاك على الأنهار وعلى الدواليب وعلى الآجام فأصعد الضفادع على أرض مصر، فرفع هارون يده على مياه المصريين فأصعد الضفادع فغشيت أرض مصر، فدعا فرعون موسى وهارون وقال لهما‏:‏ صليا بين يدي الرب فتنصرف الضفادع عني وعن شعبي حتى أرسل الشعب فيذبحوا بين يدي الرب، فقال موسى لفرعون‏:‏ سل وقتاً أصلي عليك فيه وعلى عبيدك وشعبك فتنصرف الضفادع عنك وعن بيتك- وفي نسخة السبعين‏:‏ عنك وعن قومك وعن بيوتك- فقال له غداً فقال له موسى‏:‏ سيكون كما سألت فتعلم أنه لا إله غير إلهنا، فيصرف الضفادع عنك وعن بيتك- وفي نسخة السبعين‏:‏ بيوتك وعن عبيدك وعن شعبك ما خلا الضفادع التي في النهر- فخرج موسى وهارون من بين يدي فرعون، فصلى موسى بين يدي الرب فاستجاب الرب لموسى، فماتت الضفادع في الدور والبيوت والرياض فجمعوها أنابير أنابير فأصلّت الأرض وأجنت- وفي نسخة السبعين‏:‏ فجمعوها صبباً صبباً فأنتنت الأض- فرأى فرعون الفرج والراحة وجفا قلبه فلم يطعهما كالذي قال الرب، فقال الرب لموسى‏:‏ مر هارون فيرفع عصاه ليضرب ثرى الأرض فيكون القمل في جميع أرض مصر، ففعل ذلك فدب القمل في الناس والبهائم وصار جميع ثرى الأرض قملاً في جميع أرض مصر، فصنع مثل ذلك السحرة بسحرهم فلم يقدروا أن يصرفوا القمل في الناس والبهائم، فقالت السحرة لفرعون‏:‏ إن هذا فعل رب العالمين، فقسا قلب فرعون ولم يطعهما كما قال الرب، فقال الرب لموسى‏:‏ أدلج باكراً وقف بين يدي فرعون، وهو ذا يخرج يغتسل- وفي نسخة السبعين‏:‏ فإنه يخرج إلى الماء- فقل له‏:‏ هكذا يقول الرب‏:‏ أرسل شعبي فيعبدوني، فإن أنت أبيت فهأنذا مرسل- وفي نسخة السبعين‏:‏ فإني مرسل- عليك وعلى شعبك وعلى أهل بيتك هوام وحشرة من كل جنس فتمتلئ- وفي نسخة‏:‏ ذباب الكلب فتمتلئ- بيوت المصريين من الهوام والحشرة مثل ثرى الأرض التي هم عليها، وأميز في ذلك اليوم أرض جاسان التي يسكنها شعبي، فلا يكون فيها من الهوام والحشرة شيء لتعلم أني أنا الرب، وأميز بين شعبي وشعبك، وتكون هذه الآية غداً، وفعل الرب كذلك وأنزل الهوام على بيت- وفي نسخة‏:‏ بيوت- فرعون وعبيده وعلى جميع أرض مصر، ففسدت الأرض بالهوام، فدعا فرعون موسى وهارون وقال لهما‏:‏ انطلقوا فاذبحوا الذبائح لله ربكم في هذه الأرض، فقال موسى‏:‏ لا يحسن بنا أن نفعل ذلك لأنا إنما نذبح للرب إلهنا من نجاسة المصريين وبدعهم، فإن نحن ذبحنا أمام آلهة المصريين رجمونا، بل ننطلق مسيرة ثلاثة أيام في القفر فنذبح هنالك للرب إلهنا على ما يأمرنا ويقول لنا، فقال فرعون‏:‏ أنا أرسلكم فتذبحوا الذبائح للرب إلهكم في البرية، ولكن لا تنطلقوا فتتوانوا، بل صلوا عليّ أيضاً- وفي نسخة السبعين‏:‏ ولكن لاتبعدوا وصلوا عليّ أيضاً إلى ربكم- فقال موسى لفرعون‏:‏ هأنذا أخرج من بين يديك فأصلي بين يدي الرب، فيصرف الهوام والحشرة عن فرعون وعن عبيده وعن شعبه غداً، ولكن لا يعود فرعون أن يكذب في قوله ويأبى أن يرسل الشعب ليذبحوا الذبائح، فخرج موسى من بين يدي فرعون وصلى بين يدي الرب، فقبل الرب صلاة موسى وصرف الهوام فلم يوجد منها ولا واحد، فقسا قلب فرعون بعد هذا أيضاً ولم يرسل الشعب، فقال الرب لموسى‏:‏ انطلق إلى فرعون وقل له‏:‏ هكذا يقول الرب إله العبرانيين‏:‏ أرسل شعبي حتى يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله- وفي نسخة السبعين‏:‏ وتمسكت به، فإن يد الرب تضرب ماشيتك التي في القفر من الخيول والحمير والبقر والغنم، فيقع فيها الوباء العظيم الصعب الشديد، ويميز الرب بين دواب بني إسرائيل وبين بهائم أهل مصر، فلا يموت من بهائم آل إسرائيل ولا واحد، ووقت الرب وقتاً ليكمل فيه هذا القول على الأرض، فأكمل الرب هذا الأمر من غد ذلك اليوم، فماتت جميع بهائم المصريين ولم يمت من دواب بني إسرائيل ولا واحد، وأرسل فرعون فإذا أنه لم يمت من دواب بني إسرائيل ولا دابة، فقسا قلب فرعون بعد هذا أيضاً فأبى أن يرسل الشعب، فقال الرب لموسى وهارون‏:‏ خذا في حقيبتكما من رماد الأتون فيذره موسى إزاء السماء نحو فرعون، فيكون العجاج في أرض مصر، فيضرب الناس والبهائم جميعاً قروح ناتية رخوة في أرض مصر كلها، فأخذا رماد الأخدود ووقفا بين يدي فرعون فذره موسى نحو السماء أمام فرعون فظهرت قروح ناتية رخوة، فاستعلت في الناس والبهائم، فلم يقدر السحرة على الوقوف بين يدي موسى من كثرة القروح التي ظهرت في السحرة وفي جميع أهل مصر، فقسى الرب قلب فرعون فلم يسمع لهما ولم يطعهما كالذي قال الرب لموسى، فقال الرب لموسى‏:‏ أدلج باكراً وقف بين يدي فرعون وقل له‏:‏ هكذا يقول الرب إله العبرانيين‏:‏ أرسل شعبي فيعبدوني وإلا فأنا مرسل في هذا الوقت ضربتي على قلبك وعلى عبيدك وعلى شعبك لتعلم أنه لا إله غيري على الأرض كلها، لأني مجمع من الآن أن أمد يدي فأضربك وشعبك بالوباء، وتبيد عن جديد الأرض، وإنما بغيتك بهذا الأمر لأظهر لك عزي وقدري ولينادي باسمي في الأرض كلها، وأنت حتى الآن تتمسك بالشعب وتأبى أن ترسله، وغداً في هذا الوقت أهبط البرد العظيم الشديد ما لم يكن- وفي نسخة السبعين‏:‏ الذي لم يكن مثله- بمصر منذ اليوم الذي أسست فيه قواعدها إلى يوم الناس هذا، والآن أرسل فأدخل جميع دوابك وكل مالك في الحقل لأن كل بهيمة أو إنسان يلقى في الحقل ولا يدخل البيت يهبط عليهم البرد فيموتون، وكل من خاف كلمة الله من عبيد فرعون نقل عبيده وبهائمه إلى البيوت، والذي لم يفكر في كلمة الله وتهاون بها ترك دوابه وعبيده في الحقل، وقال الرب لموسى‏:‏ ارفع يدك إلى السماء يهبط البرد على جميع أرض مصر على الناس والبهائم وجميع الحقول- وفي نسخة السبعين‏:‏ على الناس والدواب وجميع نبات الصحراء- فرفع موسى عصاه نحو السماء فأرجفهم الرب بالرعد والبرد، وجعلت النار تضطرم على الأرض، فأهبط الرب البرد وكان البرد يهبط والنار تضطرم في البرد، وكان شديداًعظيماً، ولم يكن مثله في جميع أرض مصر منذ اليوم الذي سكنها بنو البشر، فضرب البرد جميع أرض مصر لكل من كان في الحقل من الناس والبهائم، وأهلك الرب جميع عشب الحقل وحطم جميع أشجار الغياض، فأما أرض جاسان التي كانت آل إسرائيل يسكنونها فلم يهبط عليها البرد، فأرسل فرعون فدعا موسى وهارون فقال لهما‏:‏ قد خطئت في هذه المرة أيضاً، والرب بار وأنا وشعبي منافقون- وفي نسخة السبعين‏:‏ إني قد أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار- فصليا بين يدي الرب فإنه ذو إمهال وأناة فيصرف عنا الرجفة والرعد والبرد فأرسلكم فلا تعودوا أن تتأخروا- وفي نسخة السبعين‏:‏ وأنا أرسلكم ولا أعود أن أوخركم- فقال موسى لفرعون‏:‏ إذا ما خرجت من القرية أبسط يدي للرب فيصرف عنكم صوت الرعد والرجفة، ولا يعود البرد يهبط أيضاً لكي تعلم أن الأرض وما عليها لله‏.‏

وأنا أعلم أنك وعبيدك إلى الآن لم ترهبوا الله ولم تخافوا عقابه، وقد هلك الكتان والشعير- وفي نسخة السبعين‏:‏ وضرب البرد الشعير والكتان- لأن الشعير كان قد بدأ أن يسبل، والكتان قد بدأ أن يبزر، فأما زرع الحنطة والكثيب فلم يهلك لأنه كان متأخراً، فلما جاء موسى من القرية من بين يدي فرعون بسط- وفي نسخة السبعين‏:‏ فأما زرع الحنطة والذرة فإنه لم يضرهما لأنهما كانا لقسا، وخرج موسى من عند فرعون خارج المدينة فبسط- يديه بين يدي الله نحو السماء فصرف عنهم الرعد والبرد، وانقطع المطر عن الأرض، فرأى فرعون أن القطر والبرد والرعد قد انقطع وسكن فعاد وخطأ وقسا قلب فرعون وعبيده- وفي نسخة السبعين‏:‏ وقسا قلبه وقلب عبيده وجفا- ولم يرسل بني إسرائيل كرسالة الرب- وفي نسخة السبعين‏:‏ على ما تكلم به الرب على يد موسى- فقال الرب لموسى‏:‏ انطلق إلى فرعون لأني أنا الذي أقسي قلبه وقلوب عبيده، فأظهر هذه الآيات لتجر بنيك وبني بنيك بما صنعت بأهل مصر من الآيات الكثيرة التي أظهرت، فيعلموا أني أنا الرب، فأتى موسى وهارون إلى فرعون وقالا له‏:‏ هكذا يقول الرب إله العبرانيين‏:‏ حتى متى تأبى أن تخافني وترهبني‏!‏ أرسل شعبي ليعبدوني، فإن أبيت أن ترسل شعبي فهأنذا محدر على جميع تخومك الجراد- وفي نسخة السبعين‏:‏ فإني أجلب عليك غداً هذا الوقت جراداً عظيماً على جميع حدودك- فيغطي عين الأرض فلا يقدر إنسان على النظر إلى الأرض، فمهما أبقى لكم البرد أكله، ويأكل جميع الشجر التي تنبت لكم في الحقل، ويمتلئ منه بيوتك وبيوت عبيدك وبيوت جميع المصريين ما لم ير مثله آباؤك وأجدادك من اليوم الذي أسست الأرض إلى يوم الناس هذا، ورجعا من بين يدي فرعون فقالفرعون لعبيده‏:‏ حتى متى يكون لنا هذه العثرة‏!‏ يرسل القوم فيعبدون- وفي نسخة السبعين‏:‏ فقال عبيد فرعون لفرعون‏:‏ حتى متى يكون لنا هذا البلاء‏!‏ أرسل القوم فيعبدوا- الرب إلههم أما تعلم- وفي نسخة السبعين‏:‏ أو ما عملت- أن مصر قد خربت، فردوا موسى وهارون إلى فرعون فقال لهم‏:‏ انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، ولكم من منكم ينطلق‏؟‏ فقال له موسى‏:‏ إنا ننطلق بشباننا وشيوخنا وبنينا وبناتنا وبغنمنا وبقرنا، لأنه عيد لنا للرب، فقال لهما‏:‏ ليكن كما قلتما، والله يصحبكما إذا ما أرسلتكم وحشمكم، لعله أن يعرض لكم في الطريق آفة، ولكن ليس هكذا، انطلقوا الآن معاشر الرجال‏!‏ اعبدوا بين يدي الرب لأنكم إنما تطلبون بذلك الراحة، فأخرجوهما من بين يدي فرعون، فقال الرب لموسى‏:‏ ارفع يدك على أرض مصر فيأتي الجراد فيصعد على أرض مصر فيأكل عشب الحقل وجميع ما نجا من البرد، فرفع موسى عصاه على ارض مصر، فأهبَّ الرب على الأرض ريح السموم جميع ذلك اليوم- وفي نسخة السبعين‏:‏ والرب جلب ريحاً قبلية على الأرض نهار ذلك اليوم- وتلك الليلة، فلما كان بالغداة احتملت ريح السموم الجراد، فصعد الجراد- وفي نسخة السبعين أخذت الريح القبلية الجراد وأصعدته- على جميع أرض مصر، فسقط على جميع تخوم أرض المصريين، وكان منيعاً عظيماً جداً، ولم يكن مثل ذلك الجراد فيما خلا ولا يكون مثله فيما بعده، فغطى جميع عين الأرض فأظلمت الأرض، وأكل جميع عشب الحقل وجميع الشجر التي نجت من البرد، ولم يبق في الشجر غصن ولا ورق ولا في الحقل عشب في جميع أرض مصر، فاستعجل فرعون ودعا موسى وهارون وقال لهما‏:‏ قد خطئت بين يدي الله إلهكما، والآن اعفوا عن ذنبي وجهلي هذه المرة، وصليا بين يدي الرب إلهكم فيصرف عني هذه الآفة والموت، فخرج موسى من بين يدي فرعون وصلى بين يدي الرب، فعاد الرب بريح السموم عاصفاً فاحتملت الجراد فقذفت به في بحر سوف- وفي نسخة السبعين‏:‏ فغير الرب تلك الريح بريح من البحر شديدة فأخذت الجراد وألقته في البحر الأحمر- ولم يبق في جميع تخوم المصريين شيء من الجراد، فقسى الرب قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل، فقال الرب لموسى‏:‏ ارفع يدك إلى السماء فليكن الدجى والحنادس على جميع أرض مصر فتذلهم الظلمة، فرفع موسى يده إلى السماء فكانت الظلمة والدجى- وفي نسخة السبعين‏:‏ فصارت ظلمة وزوبعة- على جميع أرض مصر، ولم ير المرء منهم صاحبه ثلاثة أيام، فأما جميع بني إسرائيل فكان لهم الضياء والنور في مساكنهم، فدعا فرعون موسى فقال له‏:‏ انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، فأما بقركم وغنمكم فدعوها هاهنا، وأما حاشيتكم فانطلقوا بها معكم، فقال موسى لفرعون‏:‏ وأنت أيضاً تعطينا من الذبائح فنذبح لله ربنا، وبهائمنا أيضاً تنطلق بها معنا، ولا يبقى منها هاهنا ظلف على الأرض لأنا إنما نأخذ من مالنا لنذبح بين يدي الرب إلهنا، ولسنا نعلم بماذا نعبد الله إذا بلغنا هناك، فقسى الرب قلب فرعون وأبى أن يرسلهم، فقال فرعون لموسى‏:‏ اخرج من بين يدي واحذر أن تتراءى لي أيضاً لأن اليوم الذي تتراءى لي بين يديّ تموت فيه، قال له موسى‏:‏ ما أحسن قولك‏!‏ لست بعائد أن أرى وجهك، قال الرب لموسى‏:‏ إني أعود أيضاً فانزل بفرعون والمصريبن ضربة واحدة، وعند ذلك أرسلكم من هاهنا، فإذا أرسلتكم فاخرجوا كلكم، وأمر الشعب وقال لهم‏:‏ ليستعر المرء منكم من صاحبه والمرأة من جارتها حلي ذهب وفضة- وفي نسخة السبعين‏:‏ آنية الفضة وآنية الذهب- والكسوة، وجعل الرب للشعب في قلوب المصريين محبة ورحمة، وموسى كانت له هيبة وكرامة عظيمة في جميع أرض مصر- وفي نسخة السبعين‏:‏ عند المصريين وعند فرعون وعند جميع عبيده- فقال موسى‏:‏ هكذا يقول الرب‏:‏ إني خارج نصف الليل فأجوز في أرض مصر فأتوفى جميع أبكار مصر بكر فرعون الجالس على منبره إلى بكر الأمة التي في بيت الرجل، وتموت جميع أبكار البهائم فتسمع الولولة العظيمة والصراخ والأنين الفظيع ما لم يسمع مثله أيضاً- وفي نسخة السبعين‏:‏ ولا يعود أيضاً أن يكون مثلها- فأما آل إسرائيل فلا يصاب منهم ولا الناس ولا البهائم ولا الكلب بلسانه- وفي نسخة السبعين‏:‏ ولا يعوي من جميع بني إسرائيل كلب بلسانه- ليعلموا أن الرب ميز بين المصريين وآل إسرائيل، فهبط جميع عبيدك هؤلاء فيسجدون لي ويقولون‏:‏ اخرج أنت وجميع الشعب معك، وعند ذلك أخرج، فخرج موسى من بين يدي فرعون بغضب شديد، فقال الرب لموسى‏:‏ إن فرعون لا يطيعكما، ذلك أني مكثر آياتي وعجائبي بأرض مصر، وإن موسى وهارون جرحا هذه الجرائح وأظهرا هذه الآيات كلها بين يدي فرعون، فقسى الرب- وفي نسخة السبعين‏:‏ وأقسى الرب- قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل عن أرضه، وقال الرب لموسى وهارون بأرض مصر‏:‏ هذا الشهر- أي نيسان- يكون لكم رأس الشهور، ويكون هذا أول شهور السنة، قل لجميع جماعة بني إسرائيل في عشر من هذا الشهر فليأخذ الرجل منهم حملاً- وفي نسخة السبعين‏:‏ خروفاً- لبيته وحملاً لآل أبيه، وإن كان آل البيت قليلاً لا يحتاجون إلى حمل فليشرك هو وجاره القريب إلى بيته على عدة الناس، وعدوا كل امرئ منهم على قدر أكله من الحمل، حملاً بلا عيب فيه ذكراً بيناً، يكون الحمل حويلاً من الخراف والجدي وتأخذونه، ويكون محفوظاً لكم حتى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر، ويذبحه كل جماعة من كنيسة بني إسرائيل أصيلاً، ويأخذون من دمه ويضعونه على القائمين والعتبة من البيت الذي تأكلون فيه، أي علامة- للملائكة الذين يؤمرون بقتل أبكار المصريين، وتأكلون اللحم في هذه الليلة مشوياً بفطير، ولا تأكلوا منه نيئاً ولا مطبوخاً بالماء، ولاتبقوا منه شيئاً لغد، ولا تكسروا منه عظماً، وما فضل منه إلى غد فأحرقوه بالنار، وكلوه وأنتم قيام وقد شددتم أو ساطكم ونعالكم في أرجلكم وعصيكم في أيديكم وكلوه بعجلة، فإنه فصح للرب، وأنا فإني أعبر في أرض مصر في هذه الليلة وأضرب كل بكر بأرض مصر من الناس والبهائم، وأعمل نقمة من جميع آلهة المصريين، أنا الرب‏!‏ ويكون لكم هذا اليوم ذكراً وتعيدونه عيداً للرب لدهوركم إلى الأبد وتعيدونه سبعة أيام، وتأكلون فطيراً وتعزلون الخمير من بيوتكم من أول يوم، وكل من يأكل خميراً فإن تلك النفس تبيد من إسرائيل من اليوم الأول إلى اليوم السابع، وكل عمل يعمل فلا تعملوه فيها، واحفظوا هذه الوصية، ففي هذا اليوم خرج عسكركم من مصر، فاجعلوا هذا اليوم لدهوركم سنة، فإذا بدأ اليوم الرابع عشر من الشهر الأول من العشيّ كلوا فطيراً إلى يوم إحدى وعشرين من الشهر إلى العشاء، ولا يوجد خمير في بيوتكم سبعة أيام، وكل من يأكل مخمراً فإن تلك النفس تبيد من جماعة بني إسرائيل من الملة والذمة ومن سكان الأرض، ما كان خميراً فلا تأكلوه وكلوا فطيراً في جميع مساكنكم، فدعا موسى جميع أشياخ بني إسرائيل وقال لهم‏:‏ عجلوا فخذوا غنماً لقبائلكم واذبحوا الفصح وخذوا حزمة من ريحان الأدبان واغمسوها بدم الحمل ورشوا على معاقم أبوابكم ومعاضدها- وفي نسخة السبعين‏:‏ على العتبة وكلا القائمين- من الدم الذي في الإناء، ولا يخرج أحد منكم من باب بيته إلى غدوة- وفي نسخة السبعين‏:‏ إلى الصباح- فتحفظون هذه السنة والوصية أنتم وبنوكم إلى الأبد، وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الرب كما وعدكم فاحفظوا هذا العمل، وإذا سأل بنوكم فقالوا لكم‏:‏ ما هذا الفعل‏؟‏ فقولوا لهم‏:‏ هذه ذبيحة فصح الرب إذ أفصح على بيوت بني إسرائيل بمصر إذ قتل المصريين وخلص بيوتنا، فركع الشعب كله ساجداً لله وانطلق بنو إسرائيل فصنعوا كما أمر الله موسى وهارون، وفي بيوت بني إسرائيل فلما كان عند نصف الليل قتل الرب أبكار أرض مصر- وفي نسخة السبعين‏:‏ كل بكر بأرض مصر- من بكر فرعون الجالس على منبره- وفي نسخة السبعين‏:‏ على كرسيه- وحتى بكر السبي المحبوس في السجن وجميع أبكار البهائم فوثب فرعون في تلك الليلة هو وجميع عبيده وكل أرض مصر- وفي نسخة السبعين‏:‏ وجميع المصريين- وكانت ولولة عظيمة في جميع أرض مصر لأنه لم يوجد بيت لم يكن فيه ميت، فدعا فرعون بوسى وهارون في تلك الليلة وقال لهما‏:‏ انهضا فاخرجا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل أيضاً وانطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب كقولكما، وسوقوا غنمكم وبقركم أيضاً كما قلتما، وانطلقوا وصلوا عليّ أيضاً وادعوا لي، فألح المصريون على الشعب ليخرجوهم عن الأرض مسرعين لأنهم قالوا‏:‏ إنا جميعاً سنموت، فحمل الشعب عجينهم قبل أن يختمر، والبارد من فطيرهم مشدوداً في عمائمهم ملقى أعناقهم، وصنع بنو إسرائيل كما أمرهم موسى، واستعاروا من المصريين حلي ذهب وفضة وكسوة- وفي نسخة السبعين‏:‏ آنية الفضة والذهب والكسوة- وجعل الرب للشعب في أعين المصريين محبة ورحمة فأعاروهم، فحربوا المصريين، وظعن بنو إسرائيل من رعمسيس- وعلى حاشية نسخة السبعين أنها عين شمس- يطلبون ساخوت ستمائة ألف رجل سوى الحشم والعيال، وصعد معهم من الغرباء أيضاً من كل خلط ومن البقر والغنم والماشية كثيراً جداً، فاختبزوا العجين الذي أخرجوه معهم من مصر رغفاً- وفي نسخة السبعين‏:‏ فرانيّ- فطيراً لم يختبزوه- وفي نسخة السبعين‏:‏ لم يختمر- وذلك لأن المصريين أخرجوهم فلم يقدروا أن يلبثوا، ولم يتزودوا زاداً للطريق أيضاً، وكان مسكن بني إسرائيل في أرض مصر أربعمائة وثلاثين سنة، في هذا اليوم خرج جميع جنود الرب من أرض مصر- وفي نسخة السبعين‏:‏ ليلاً- كان الرب وقت في سابق علمه حفظ تلك الليلة التي خرجوا فيها من مصر، وكانت هذه الليلة محفوظة معروفة لدى الرب لهلاك أبكار مصر ولإخراج جميع بني إسرائيل ليكون ذكر ذلك في جميع أحقابهم وخلوفهم، وقال الرب لموسى وهارون‏:‏ هذه سنة الفصح، لا يأكل منه غريب، وكل عبد لرجل اشتراه إذا ختنه عند ذلك فأطعمه الفصح، والأجير والساكن فلا يأكل منه، في بيت واحد فليؤكل- وفي نسخة السبعين‏:‏ وكل عبد لرجل اشتراه فليختتن ثم يأكل منه، الملجئ والأجير لا يأكلان منه، وليؤكل في بيت واحد- ولا تخرجوا من اللحم خارجاً من البيت شيئاً ولا تكسروا فيه عظماً، وإذا سكن معكم غريب فختن كل ذكر في بيته عند ذلك فليقترب- وفي نسخة السبعين، وليختن منهم كل ذكر ثم يدنون- من بعد ذلك إلى أكل الفصح، وليكن عند ذلك بمنزلة أهل الأرض، ولا يأكل منه أغرل، ولتكن سنة واحدة لأهل الأرض والغرباء الذين يسكنون معكم، وصنع جميع بني إسرائيل كما أمر موسى وهارون، وفي هذا اليوم أخرج الرب بني إسرائيل من أرض مصر وجميع جنودهم، وقال الرب لموسى‏:‏ طهر لي كل ذكر ذكر ويفتح كل رحم من بني إسرائيل من الناس والبهائم يكونون لي، فقال موسى للشعب‏:‏ اذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من العبودية والرق، لأن الرب أخرجكم من هاهنا بيد منيعة- إلى آخر ما مضى في سورة البقرة؛ ثم ذكر في الخامس علة الفصح فقال‏:‏ احفظوا شهر البهار فاعملوا فصحاً لله ربكم لأنه إنما أخرجكم من أرض مصر في شهر البهار ليلاً، فاذبحوا فصحاً لله ربكم من البقر والغنم في الموضع الذي يختار الله ربكم، فلأ تأكلوا فيه خميراً بل كلوا فطيراً سبعة أيام خبزاً يدل على التواضع لأنه إنما خرجتم من أرض مصر بعجلة لتذكروا اليوم الذي أخرجتم فيه من مصر كل أيام حياتكم، ولا يرى الخمير في حدودكم سبعة أيام، ولا يحل لكم أن تأكلوا الفصح في قرية من القرى التى يعطيكم الله ربكم، ولكن في الموضع الذي يختار الله ربكم أن يصير فيه اسمه ففيه اذبحوا الفصح، ويذبح عند غروب الشمس في الوقت الذي خرجتم من أرض مصر، ثم قال‏:‏ وأحصوا سبعة سوابيع من بعد عيد الفصح، ثم اعملوا عيد السوابيع وائتوا بخواص غلاتكم للرب، كما بارك لكم الله ربكم في الموضع الذي يختار الرب أن تصيروا اسمه فيه واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر، فاحفظوا هذه السنن كلها واعملوا بها، واعملوا عيد المظال سبعة أيام إذا ما دخلتم بيادركم وخزنتم معاصركم ليبارك الله ربكم في جميع غلاتكم وفي كل عمل أيديكم، وتكونوا فرحين، ويروى ذكركم أمام الله ربكم في الموضع الذي يختار ثلاث مرات في السنة‏:‏ عيد الفطر وعيد السوابيع وعيد المظال- انتهى‏.‏

وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إضافة- الابن في قوله‏:‏ ابني بكري، وهو مؤوّل بأنه يكرمه إكرام الولد، وإطلاق الإله على غير الله سبحانه مراد به الحاكم، ولا يجوز هذا الإطلاق عندنا‏.‏